تفسير الطبري سورة الكهف وما بعدها

 فهرس تفسير الطبري للسور 18 - تفسير الطبري سورة الكهف  تفسير سورة الكهف بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله عز ذكره : الْحَمْدُ لِلَّ...

الخميس، 6 نوفمبر 2025

رسالة النور الفائض من شمس الوحي في علم الفرائض بقلم حافظ بن أحمد الحكمي



رسالة النور الفائض من شمس الوحي في علم الفرائض بقلم حافظ بن أحمد الحكمي  إسلام 
  الحمد لله الذي أقام الحجة والبرهان، بإيضاح الدلالة والتبيان، وكفى بالله حسيبًا، وشرع الشرائع والأحكام وبين الحلال والحرام وكان الله على كل شيء رقيبًا، وحد الحدود بقوله الفصل، وفرض الفرائض بحكمه العدل، وأعطى كل ذي حق حقه فرضًا وتعصيبًا، فصلها في ثلاث آيات بينات بأكمل تفصيل، وبينها لعباده لئلا يضلوا عن سواء السبيل رأفة بهم ورحمة وتيسيرًا لهم وتقريبًا، ووعد من وقف عند حدوده بجزيل الثواب، ومن تعدى شيئًا منها بأليم العقاب، بشارة لهم ونذارة وترغيبًا وترهيبًا، أحمده وله الحمد في الأولى والآخرة، وأشكره على فضله العظيم ونعمه المسبغة المتواترة، وأسأله العلم النافع والعمل الصالح إنه كان سميعًا قريبا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكم العدل اللطيف الخبير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأتباعه الذين هم أولى الناس به وأحرصهم على اتباعه وأوفرهم من ميراثه حظًا ونصيبًا. أما بعد: فهذه رسالة في علم الفرائض مختصرة، دانية القطاف يانعة الثمرة، وافية بجمل هذا الفن ومفرداته، جامعة لمتفرقه وشتاته، موضحة لعويصه ومشكلاته، حاوية المهم من أدلته ومستنداته، لم تكن المختصرات بأيسر منها، ولم تفضلها المطولات بزيادة عنها، جمعتها رجاء الثواب ونصحًا للقاصرين مثلي من الطلاب وسميتها " بالنور الفائض " من شمس الوحي في علم الفرائض، أسأل الله أن يجعل ذلك سعيًا خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز لديه بجنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة: الأول: الحق المتعلق بعين التركة كالزكاة والجنايات وما أشبه ذلك. الثاني: مؤن التجهيز بالمعروف. الثالث: الديون المرسلة في الذمة. الرابع: الوصية لأجنبي بالثلث فأقل، فلا تجوز الموارث إلا بإجازة الورثة لقوله ﷺ: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث – وفي رواية – إلا أن يشاء الورثة " ولا فيما زاد على الثلث لقوله ﷺ: " الثلث والثلث كثير " فإن أجاز الورثة الزيادة جازت عند الجمهور قياسًا على الاستثناء المتقدم. الخامس: الإرث: وهو المقصود بالذات في علم الفرائض وله أركان وشروط وأسباب وموانع فأركانه ثلاثة: وارث ومورث وحق موروث، وشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث وتحقق موت المورث والعلم بجهة الإرث وبالدرجة التي اجتمعا فيها، وأسبابه ثلاثة: " نكاح " وهو عقد الزوجية الصحيح ويرث به الزوج والزوجة أو الزوجات، وهذا السبب خاص بالفرضية و " ولاء " وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق ويرث به المعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم وهذا السبب خاص بالتعصيب و" نسب " وهو القرابة ويرث به الأبوان ومن أدلى بهما والأولاد ومن أدلى بهم وهذا السبب مشترك بين الفرض والتعصيب، وموانعه ثلاثة: " رق " وهو عجز حكمي يقوم بالمرء سببه الكفر ويمنع من الجانبين لا يرث الرقيق ولا يورث، و " قتل " وهو يمنع القاتل فقط دون المقتول لقوله ﷺ: " ليس للقاتل من الميراث شيء " أما المقتول فلو تأخر موته عن موت القاتل ورث، و " اختلاف الدين " بأن يكون أحد المتوارثين مسلمًا والآخر كافرًا، ويمنع من الجانبين لقوله ﷺ: " لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ". فصل: جملة الوارثين من الرجال والنساء على الاختصار سبعة عشر، عشرة من الرجال وهم الابن وابنه وإن نزل، والأب والجد وإن علا، والأخ من أي جهة وابن الأخ لغير أم وإن تراخى، والعم لغير أم وإن تباعد وابنه وإن قصى والزوج والمعتق، وسبع من النساء.. وهن البنت وبنت الابن والأم والجدة والأخت من أي جهة والزوجة والمعتقة، وعلى البسط خمسة وعشرون، خمسة عشر من الرجال بتعداد جهات الأخوة ثلاث شقيق ولأب ولأم، وبنو الأخوة من جهتين شقيق ولأب والعمومة من جهتين أيضًا شقيق ولأب، وبنوهم من جهتين كذلك، وعشر من النساء بتعداد جهتي الجدة لأب أو لأم وجهات الأخت ثلاث شقيقة ولأب ولأم.. وإذا اجتمع كل الوارثين من الرجال والنساء ورث منهم خمسة وهم الأبوان والولدان وأحد الزوجين أو من الرجال فقط فثلاثة: الأب والابن والزوج، أو من النساء فقط فخمس البنت وبنت الابن والأم والأخت الشقيقة والزوجة. فصل: الإرث المجمع عليه نوعان فرض وتعصيب، فالفرض هو نصيب مقدر لوارث خاص لا ينقص إلا بالعول ولا يزيد إلا بالرد، وهو في كتاب الله تعالى ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث والسدس وهي من جهة الأسباب ثلاثة أقسام، مختص بالنكاح وهو الربع والثمن ومختص بالنسب وهو الثلثان والثلث والسدس ومشترك بينهما وهو النصف، فالنصف: فرض خمسة واحدة من الرجال وهو الزوج، وأربع من النساء وهي البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب، فالزوج يستحقه بشرط عدمي وهو عدم الفرع الوارث لقوله تعالى ) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ( والبنت تستحقه بشرطين عدميين عدم المشارك وعدم المعصب لقوله تعالى ) وإن كانت واحدة فلها النصف ( وبنت الابن تستحقه بثلاثة شروط عدمية عدم المشارك وعدم المعصب وعدم ولد الصلب وهي داخلة في مسمى البنت في الآية، والأخت الشقيقة تستحقه بأربعة شروط عدمية عدم الفرع الوارث وعدم الأب، وعدم المساوي والمعصب لقوله عز وجل ) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ( والكلالة هو من لم يخلف ولدًا ولا والدًا، والأخت لأب تستحقه بخمسة شروط عدمية الأربعة المذكورة في الشقيقة، والخامس عدم الشقيق ذكر أو أنثى وهي داخلة في مسمى الأخت في الآية والربع فرض الزوج والزوجة أو الزوجات فالزوج يستحقه بشرط وجود الفرع الوارث لقوله تعالى ) فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ( والزوجة أو الزوجات بشرط عدم الفرع الوارث لقوله تعالى ) ولهن الربع مما تركن إن لم يكن لكم ولد ( والثمن: فرض الزوجة أو الزوجات بشرط وجود الفرع الوارث لقوله تعالى ) فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ( والثلثان: فرض أربعة أنواع من الورثة كلها من النساء وهن البنات وبنات الابن والأخوات الشقائق والأخوات لأب اثنتان فصاعدًا فالبنات يستحقنه بشرط عدم المعصب لقوله عز وجل ) فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ( ولقضاء رسول الله ﷺ لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين وبنات الابن يستحقنه بشرطين عدميين عدم ولد الصلب وعدم المعصب وهن داخلات في مسمى البنات في نص الآية، والشقائق يستحققن بثلاثة شروط عدمية عدم الفرع الوارث، وعدم الأب وعدم المعصب لقوله عز وجل في آية الكلالة ) فإن كانت اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ( وتقدم بيان الكلالة، والأخوات لأب تستحقنه بأربعة شروط عدمية الثلاثة المذكورة في الشقائق والرابع عدم الشقيق ذكرًا أو أنثى، وهن داخلات في مسمى الأخوات في نص الآية والثلث فرض الأم والأخوة لأم اثنين فصاعدًا ذكورًا أو إناثًا أو معًا فالأم تستحقه بشرطين عدميين عدم الفرع الوارث وعدم جمع الأخوة لقوله تعالى ) فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له أخوة فلأمه السدس ( ويستثنى من ذلك مسألتان ثبت لها فيهما ثلث الباقي باجتهاد الصحابة وذلك بأن يكون مع الأبوين أحد الزوجين فتأخذ ثلث ما بقي بعد فرض الزوجية وهو مع الزوج سدس ومع الزوجة ربع بالنسبة إلى التركة وإنما قيل ثلث الباقي تأدبًا مع القرآن. والأخوة لأم يستحقونه بثلاثة شروط عدمية عدم الفرع الوارث وعدم الأب وعدم الجد لقوله عز وجل ) وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ( ومما فارقوا به بقية الأخوة أنهم يرثون مع من أدلوا به ومنها أنهم يحجبون بإناث الفرع الوارث وبالجد، ومنها أن ذكرهم وإناثهم على السواء اجتماعًا وانفرادًا، ومنها أنهم لا يرثون من عقب أخيهم المذكور ولا يرث عقبهم منه ) ا ه والله أعلم. والسدس: فرض سبعة وهم الأب والأم والجد والجدة، وبنت الابن والأخت لأب وولد الأم منفردًا ذكرًا أو أنثى، فالأبوان يستحقان بوجود الفرع الوارث لقوله تعالى ) ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ( والأم تستحقه بوجود جمع الأخوة أيضًا لقوله عز وجل ) فإن كان له إخوة فلأمه السدس ( والجد حكمه حكم الأب إلا في وجود الأخوة فعلى تفصيل سيأتي وإلا في العمريتين فلا تمنع الأم معه عن الثلث. وبنت الابن تستحقه بشرط عدم المعصب ووجود بنت الصلب المستكملة لشروط النصف لحديث ابن مسعود رضي الله عنه عند البخاري وغيره أن النبي ﷺ قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين والباقي للأخت، والأخت لأب تستحقه بشرط عدم المعصب ووجود الشقيقة المستكملة لشروط النصف قياسًا مجمعًا عليه ( تنبيه ) لا يشترط في استحقاق بنت الابن والأخت لأب السدس أن تكون منفردة بل إن كن جمعًا اشتركن فيه، وولد الأم يستحقه بالثلاثة شروط المتقدمة في الثلث والرابع كونه منفردًا لقوله عز وجل ) وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ( والجدة تستحقه بشرط عدم الأم إجماعًا وبشرط عدم من أدلت به على خلاف في الأب والجد هل يحجب الجدة من جهته أم لا سيأتي إن شاء الله في الحجب، وإذا اجتمع الجدات من الجهتين واستوت درجتهن فالسدس بينهن على السواء لحديث عبد الرحمن بن يزيد مرسلًا أن رسول الله ﷺ أعطى ثلاث جدات السدس اثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم. وله أحاديث أخر تعضده وبذلك قضى الخلفاء الراشدون، فإن اختلفت درجتهن وكانت القربى من جهة الأم حجبت بها الأخرى بلا خلاف وإن كانت القربى من جهة الأب فالراجح أنها لا تحجب البعدى من جهة الأم لكونها أقوى وأمكن في الأمومة وذلك لأنها مدلية بالأم تحجب الجدات من كل جهة، والأخرى مدلية بالأب وهو لا يحجب إلا من كانت من جهته على خلاف فيه وبهذا قال مالك والشافعي وعند الحنفية أنها تسقطها جريًا على القاعدة وهي إسقاط الأبعد بالأقرب والقولان مرويان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه ( تنبيه ) الجد الفاسد هو كل جد أدلى إلى الميت بأنثى مطلقًا والجدة الفاسدة هي التي أدلت بذكر بين أنثيين انتهى والله أعلم. ( تلخيص ) جملة أهل الفروض الذين تكرروا فيها ثلاثة عشر، أربعة من الرجال وهم الأب والجد في السدس، والأخ لأم فيه منفردًا، وفي الثلث إن كانوا أكثر من ذلك، والزوج في النصف وفي الربع، وتسع من النساء وهن البنت في النصف منفردة وفي الثلثين جمعًا، وبنت الابن في النصف منفردة وفي الثلثين جمعًا، وفي السدس مع بنت الصلب، والأم في الثلث وفي السدس، والجدة في السدس. والأخت الشقيقة في النصف منفردة وفي الثلثين جمعًا، والأخت لأب في النصف منفردة وفي الثلثين جمعًا وفي السدس مع الشقيقة، والأخت لأم في السدس منفردة وفي الثلث إن كن أكثر من ذلك، والزوجة في الربع وفي الثمن انتهى. فصل: التعصيب هو نصيب غير مقدر وأهله ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، وعصبة مع غيره، فالعاصب بنفسه هو من إذا انفرد أخذ جميع المال وهم الابن وابنه والأب والجد والأخ الشقيق والأخ لأب وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب والعم الشقيق والعم لأب، وابن العم الشقيق وابن العم لأب، والمعتق وعصبة المعتق المتعصبون بأنفسهم، والدليل قوله ﷺ: " الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر " وقوله ﷺ: " أيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا " متفق عليهما، والعاصب بغيره هن ذوات النصف والثلثين بنات الصلب وبنات الابن والأخوات الشقائق والأخوات لأب كل منهن يعصبها أخوها فله مثلا حظها لقوله تبارك وتعالى في ميراث الأولاد: ) يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( وقوله عز وجل في ميراث الأخوة: ) وإن كانوا إخوة رجالًا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ( وليس بعد الأخ لأب ذكر يعصب أنثى. والعاصب مع غيره هن الأخوات لأبوين أو لأب، مع بنات الصلب أو بنات الابن لحديث ابن مسعود السابق أن النبي ﷺ قضى للأخت بالباقي بعد فرض البنت وبنت الابن ) اه. حاصل أقسام الورثة أربعة: قسم يرث بالفرض فقط وهم الزوجان والأم والجدة من الجهتين وأولاد الأم. وقسم يرث بالتعصيب فقط وهم كل عاصب بنفسه ما عدا الأب والجد. وقسم يرث بالفرض تارة وبالتعصيب تارة ولا يجمع بينهما وهن العصبة بالغير، يرثن بالفرض بمحض الأنوثة، ويعصبن بالذكور. وقسم يرث بالفرض تارة وبالتعصيب أخرى ويجمع بينهما وهما الأب والجد، فيرث أحدهما بالتعصيب عند عدم الفرع الوارث، وبالفرض عند وجوده ذكرًا مطلقًا، أو أنثى واستغرقت الفروض، ويجمع بينهما إذا كان الفرع الوارث أنثى ولم تستغرق الفروض ) ا ه. والله أعلم. فصل: الحجب لغة المنع وشرعًا نوعان حجب وصف وهو الموانع السابقة وحجب شخص وهو نوعان، حجب نقصان ويدخل على جميع الورثة وهو سبعة أنواع، انتقال من فرض إلى فرض أقل منه كانتقال الزوج بالفرع الوارث من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم به وبجمع الأخوة من الثلث إلى السدس، وانتقال من فرض إلى تعصيب أقل منه كانتقال ذوات النصف منه إلى التعصيب بالغير، وانتقال من تعصيب إلى تعصيب أقل منه، كانتقال العاصب بنفسه من جميع المال إلى الباقي بعد الفروض وكانتقال العاصب مع الغير إلى تعصيبه بالغير، وانتقال من تعصيبه إلى فرض أقل منه كانتقال الأب والجد بالفرع الوارث من جميع المال إلى السدس، والمزاحمة في الفرض كما أن للأنثيين من البنات الثلثين فكلما كثرن نقص حظ كل واحدة منهن، والمزاحمة في التعصيب كما أن للابن إذا انفرد جميع المال وكلما كثروا نقص حظ كل واحد منهم، والمزاحمة بالعول كما يصير سدس الأم في عول الستة إلى سبعة سبعًا، وإلى ثمانية ثمنًا، وإلى تسعة تسعًا، وإلى عشرة عشرًا، وحجب حرمان ولا يدخل على الأبوين ولا الولدين ولا الزوجين، ويدخل على من عداهم، فالجد يحجب بالأب فقط، والجدات يحجبن بالأم من كل جهة قولًا واحدًا وكذا الجدة من جهة الأم تحجب من فوقها من أي جهة بلا خلاف إلا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الجدتين إذا كن من جهتين تشتركن في السدس وإن تفاوتت درجتهن، والجدة من جهة الأب تحجب كل جدة فوقها من جهتها، واختلف في الأب هل يحجب الجدة من جهته فعن عثمان وعلي والزبير وابن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنه يحجبها وعليه الشافعي ومالك وأبو حنيفة ورواية عن أحمد رحمهم الله، وعن عمر وسعد أبي وقاص وابن مسعود أنها ترث معه وهو المشهور عند الحنابلة، وحجة من حجبها به أنها أدلت بعصبة فلا ترث معه كالجد وابن الابن، وحجة من لم يحجبها به حديث ابن مسعود عند الترمذي أن النبي ﷺ أعطاها السدس وابنها حي. إلا أنه ضعفه عبد الحق وغيره ويجري الخلاف المذكور في الجد كذلك وأولاد الابن ذكرهم وإناثهم يحجبون بالبنين الذكور، وأنثاهم بجمع البنات إن لم يكن لها أخ يعصبها، والإخوة الأشقاء ذكرهم وأنثاهم يحجبون بالفرع الوارث الذكر وبالأب، والأخوة لأب ذكرهم وأنثاهم يحجبون بمن ذكر وبالأخ الشقيق، وبالشقيقة إذا كانت عصبة مع الغير، وأنثاهم بجمع الشقائق إن لم يكن لها أخ يعصبها. وأولاد الأم يحجبون بالأب والجد والفرع الوارث، وابن الأخ الشقيق يحجب بالفرع الوارث الذكر وبالأب والجد والأخ الشقيق والأخ لأب والأخت شقيقة أو لأب إذا كانت عصبتين مع الغير، وابن الأخ لأب يحجب بمن ذكر وبابن الأخ الشقيق، والعم الشقيق يحجب بمن ذكر وبابن الأخ لأب، والعم لأب يحجب بمن ذكر وبالعم الشقيق، وابن العم الشقيق يحجب بمن ذكر وبالعم لأب، وابن العم لأب يحجب بمن ذكر وبابن العم الشقيق وهكذا ترتيب الأقارب إلى آخرهم. وكل من لا يرث إلا بالتعصيب فقط فإنه يسقط باستغراق الفروض، إلا الأشقاء في مسألة المشتركة فعلى الخلاف الآتي، وكل من أدلى بواسطة فلا يرث مع وجودها إلا الأخوة لأم فلا تسقطهم باتفاق، وإلا الجدة من جهة الأب فعلى الخلاف السابق. مسألة: المشركة هي زوج وأم وأخوة لأم جمعًا، وأشقاء عصبة ولو واحدًا، في هذه المسألة مذهبان الأول: إسقاط الأشقاء باستغراق الفروض، وبه قضى الفاروق عمر رضي الله عنه أولًا، وروي عن علي رضي الله عنه وأبي موسى رضي الله عنه وأبي بن كعب رضي الله عنه وهو أحد الروايتين عن ابن عباس وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال الشعبي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وهو مروي عن أحمد رحمهم الله تعالى، والثاني: أن الأشقاء يشاركون الأخوة لأم في ثلثهم وبه قضى عمر رضي الله عنه آخرًا. ولما قيل له في ذلك قال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي ولم ينقض أحد الاجتهادين بالآخر، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه أيضًا وهو أشهر الروايتين عن زيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهما وهو قول شريح وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين، ومسروق وطاوس والثوري ومالك والشافعي رحمهم الله، وحجتهم أن الأشقاء مثل الأخوة لأم في الإدلاء بها والأب لم يزدهم إلا بعدا. والأول أقرب إلى الدليل لقوله ﷺ: " الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر " وهنا لم تبق الفرائض شيئًا فهو الراجح وإن كان الأكثرون على الثاني، وكون الأشقاء مدلين بالأم لم يخرجهم من كونهم أشقاء عصبة. ولم ينقلهم ذلك من الإرث بالتعصيب إلى الإرث بالفرض. وإلغاء الأب مجرد دعوى، والإرث إنما تلقوه عن الهالك لا عن الأم التي استووا في الإدلاء بها، فإذا ماتت فليشاركوهم في ميراثها فالأولى الوقوف مع الحديث والقول بظاهره وإلحاق الفرائض بأهلها وبالله التوفيق. فصل: اختلف في توريث الأخوة الأشقاء أو للأب مع الجد، فمذهب الجمهور ومنهم الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم أن الأخوة لا يسقطون به، وبذلك قال الشعبي وابن أبي ليلى والمغيرة والضبي والحسن بن صالح وهشيم بن بشر وضرار بن صرد وابن شبرمة وأهل المدينة وأهل الشام وسفيان الثوري ونص عليه الشافعي وذهب إليه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وأبو يوسف ومحمد واللؤلؤي وأبو عبيد وأكثر الشافعية رحمهم الله تعالى. وقال الصديق أبو بكر رضي الله عنه وابن عباس وابن الزبير وعائشة وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وعمار بن ياسر وجابر بن عبد الله وأبو الطفيل رضي الله عنهم إن الجد يسقطهم كالأب وبه قال عطاء وطاوس وقتادة وعثمان البستي وجابر بن يزيد والحسن البصري وسعيد بن جبير وابن سيرين وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادة. ونعيم بن حماد وداود وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري، واختاره من الشافعية المزني وأبو ثور وابن سريج وابن اللبان، ومحمد بن نصر المروزي والأستاذ أبو منصور البغدادي رحمهم الله تعالى، واحتج أهل هذا المذهب بكون القرآن قد صرح بأبوته في غير موضع فقال تعالى ) ملة أبيكم إبراهيم (، ) كما أخرج أبويكم من الجنة ( وغير ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنه ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبًا، وقال أيضًا، أما الذي قال رسول الله ﷺ: " لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذته ولكن خلة الإسلام أفضل – أو قال – خير " فإنما أنزله أبًا – أو قال قضاه أبًا، قالوا ولم يرو أن أحدًا خالف أبا بكر في ذلك الزمن والصحابة يومئذ متوافرون: واحتج أهل المذهب الأول بأن كلًا من الجد والأخوة مدل بالأب والفرع أقوى من الأصل لأنه حين مات من أدلوا به وهو الأب لم يرث الجد مع الذكر منهم غير السدس، وقد يبقى له بعد فرض الأنثى زيادة عليه وقد لا يبقى، وبأنه إذا كان الأب حيًا استوى الجد والأخوة في السقوط به فبم يفضلهم إذا مات، وشبه علي رضي الله عنه الجد بالنهر الكبير والأب بخليج من ذلك النهر، والميت وأخاه بساقيتين من ذلك الخليج، والساقية إلى الساقية أقرب منها إلى النهر فإنها إذا سدت رجع ماؤها إلى الأخرى لا يرجع إلى النهر، وشبهه زيد بن ثابت رضي الله عنه بساق الشجر والأب بغصن من أغصانها، والأخوة بفروع من ذلك الغصن فإذا قطع فرع امتص الآخر ما كان يمتصه ولا يرجع ماؤه إلى الأصل وأجابوا عن إطلاق الأبوة عليه بأنه لا يلزم منه تسويته بالأب في كل مسألة، وقد أطلق النبي ﷺ على أن ابن بنته الحسن رضي الله عنه البنوة فقال " إن ابني هذا سيد " ومعلوم ابن البنت ليس له حكم الابن في الميراث وللأب مزايا على الجد منها أنه لا يسقط بحال والجد يسقط به، ومنها أن الأم معه تأخذ ثلث الباقي في الغراوين ومع الجد تستكمل الثلث وأنتم متفقون معنا على ذلك ودعوى الإجماع غير مسلمة بل من شرك أكثر ممن أسقط الأخوة ويمكن الآخرين أعني المسقطين أن يجيبوا عن الاستواء في الإدلاء بالأب بأن يقولوا: ليسوا سواء في إدلائهم به لأن الجد مدل بالأبوة فقط وإن علا والأخ مدل ببنوة الأبوة لكن يجيب الآخرون بأن يقولوا إذا قلتم إن هذا ابن أبيه، قلنا وذاك أبو أبيه فلا مفاضلة حينئذ، ولكل من الفريقين أدلة وأجوبة عن أدلة الآخر غير ما ذكرنا والمسألة من مسارح الاجتهاد ومعارك الأنظار، وليس قول المجتهد حجة على الآخر، فمن رجح عنده شيء باجتهاده فليقل به من غير اعتراض على أحد بلا دليل واضح وبالله التوفيق. وأما التقسيم فهو على مذهب من يسقطهم به غير مشكل، وأما أهل التشريك فاختلفوا في كيفيته على اختيارات واجتهادات أشهرها ما اختاره زيد بن ثابت وجمهور الصحابة رضي الله عنهم وعليه مالك والشافعي وجمهور الحنابلة رحمهم الله تعالى، وحاصله أنه إما أن يكون مع الجد والأخوة صاحب فرض أو لا يكون. فعند عدم أصحاب الفروض يعطى للجد الأحظ من المقاسمة. أو ثلث الجميع وقد يستويان فضابط أحظية المقاسمة أن يكون الأخوة أقل من مثليه، وينحصر في خمس صور وهي، جد وأخت جد وأخ، جد وأختان، جد وأخ وأخت وجد وثلاث أخوات وضابط أحظيته الثلث أن يكون الأخوة أكثر من مثليه وأقل ما يتصور فيه ذلك ثلاث صور، جد وأخوان وأخت، جد وأخ وثلاث أخوات، جد وخمس أخوات، ولا تنحصر صوره إذ لا حد لا كثرة، وضابط استواء الوجهين أن يكون الأخوة مثليه فقط وينحصر في ثلاث صور، جد وأخوين جد وأخ وأختين، جد وأربع أخوات، وعند وجود صاحب فرض معهم إما أن تستغرق الفروض فيعال له سدسه، كجد وبنتين وزوج وأم، أو يبقى أقل من السدس فيعال له تكملته كما إذا لم تكن في هذه المسألة أم، أو يبقى السدس فقط فيأخذه كما إذا لم يكن في هذه المسألة زوج وفي هذه الثلاث يسقط الإخوة باستغراق الفروض وإن فضل أكثر من ذلك فله معهم الأحظ من أمور ثلاثة: المقاسمة أو ثلث الباقي أو السدس، ولا ينقص عنه وقد يستوي اثنان منها وقد يستوي الثلاثة، وذلك أن الفرض الذي يبقى بعده زيادة عن السدس إما أن يكون نصفًا أو أقل منه أو أكثر ودون الثلثين أو الثلثين أو قدرهما أو أكثر، فإن كان الفرض نصفًا وكان الإخوة مثليه كجد وأخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات مع زوج أو بنت أو بنت ابن استوى له المقاسمة. وثلث الباقي والسدس. وإن كانوا أقل من مثليه. كأخت. أو أخ. أو أختين أوأخ وأخت، أو ثلاث أخوات. فالأحظ له المقاسمة فقط وإن كانوا أكثر من مثليه كأخوين وأخت فصاعدًا. استوى له ثلث الباقي والسدس. وإن كان الفرض أقل من النصف بأن كان ربعًا كزوجة أو سدسًا كأم أو جدة أو سدسًا وربعًا كزوجة مع إحداهما. فإن كان الأخوة مثليه استوى له المقاسمة وثلث الباقي. وإن كانوا أقل من مثليه فالأحظ له المقاسمة وإن كانوا أكثر من مثليه فالأحظ له ثلث الباقي فقط. وإن كان الفرض أكثر من النصف ودون الثلثين بأن كان نصفًا وثمنًا كبنت أو بنت ابن وزوجة فإن كان الإخوة مثله فأقل كأخت أو أخ أو أختين فالأحظ له المقاسمة وإن كانوا أكثر من ذلك كأخ وأخت فصاعدًا فالأحظ السدس. وإن كان الفرض ثلثين كبنتين أو بنتي ابن أو بقدرهما بأن كان نصفًا وسدسًا كبنت أو بنت ابن وأم أو بنت و بنت ابن. فإن كان الأخوة مثله كأخ أو أختين استوى له المقاسمة والسدس. وإن كان أختًا واحدة فالأحظ له المقاسمة. وإن كانوا أكثر من مثله كأخ وأخت فصاعدًا فالأحظ له السدس. وإن كان الفرض أكثر من الثلثين بأن زاد ثمنها كبنتين أو بنتي ابن وزوجة فليس له إلا السدس. لأن الآخرين ينقصانه عنه. حاصل ما ذكر للجد مع الأخوة عشرة أحوال: ثلاثة مع عدم أصحاب الفروض وهي: أحظية المقاسمة: أحظية ثلث الجميع: استواء الوجهين: وسبعة مع وجودهم وهي: أحظية المقاسمة أحظية ثلث الباقي أحظية السدس. استواء المقاسمة وثلث الباقي. استواء المقاسمة والسدس. استواء ثلث الباقي والسدس. استواء الثلاثة، تلك عشرة أحوال لا يخرج عنها مسائل المعادة. اعلم أن ما تقدم هو حكم الجد مع الأخوة الأشقاء على انفرادهم. أو لأب على انفرادهم فإن اجتمعوا من الجهتين وكان الأشقاء مثلي الجد فصاعدًا فوجود الأخوة لأب كعدمهم وإن كانوا أقل من مثليه احتاجوا إلى الأخوة لأب فيما يكملهم مثليه حتى إذا أخذ الجد حظه فحكم الإخوة من الفريقين كحكمهم مع عدمه فالشقيقة تأخذ إلى النصف فإن نقص عنه فلا شيء لها غيره وإن زاد عنه شيء فالزائد للإخوة لأب، والشقيقتان فصاعدًا يأخذن إلى الثلثين فإن نقص فليس لهن غيره، ولا يزيد عنه شيء والشقيق الذكر يسقطهم مطلقًا كما تقدم في الحجب، وكون الأخوة الأشقاء أقل من مثليه ينحصر في خمس صور وهي: شقيقة، شقيق، شقيقتين، شقيق وشقيقة، ثلاث شقائق فيتصور مع الشقيقة خمس صور أخت لأب، وأخ لأب، أختين لأب، أخ وأخت لأب، ثلاث أخوات لأب، ومع الشقيق ثلاث صور، أخت لأب، أخ لأب، أختين لأب، ومثله مع الشقيقين أيضًا، ومع الشقيق والشقيقة أخت لأب فقط، وكذا مع ثلاث شقائق فهذه ثلاث عشرة صورة، ثم إما أن يكون معهم ذو فرض أو لا يكون، والفرض معهم إما أن يكون سدسًا أو ربعًا، أو سدسًا وربعًا معًا، أو نصفًا، وهذه الأربعة الفروض تقع في كل من الثلاث عشرة مسألة، فهي إذًا اثنتان وخمسون مسألة حاصل ضرب أربعة في ثلاث عشرة مسألة، مع الثلاث عشرة السابقة تبلغ خمسًا وستين مسألة، بقي ما إذا كان الفرض نصفًا وثمنًا فالشقيقة يتصور معها أخت لأب، أو أخ لأب، أو أختين لأب، ومع الشقيق أخت لأب ومثله الشقيقتين، أو كان نصفًا وسدسًا أو ثلثين، فالشقيقة تحتاج في كل منهما إلى أخت لأب فجملة مسائل المعادة اثنتان وسبعون مسألة. مسألة: لا يفرض للأخت شقيقة أو لأب، مع الجد إلا في الأكدرية وهي زوج وأم وجد وأخت فأصلها ستة وتعول إلى تسعة للأم الثلث اثنان، وللزوج النصف ثلاثة، وللأخت النصف ثلاثة وللجد السدس واحد، ثم يضيف سدسه إلى نصفها ويقاسماها كأخ فرؤوسهم ثلاثة مضروبة في تسعة تصح من سبعة وعشرين فللأم الثلث اثنان في ثلاثة بستة، وللزوج النصف ثلاثة في ثلاثة بتسعة والباقي اثنا عشر للجد ثمانية وللأخت أربعة هكذا روى عن زيد بن ثابت وعليه الشافعي والجمهور رحمهم الله تعالى وهو اجتهاد جار على غير أصله الذي هو إسقاط الأخوة إذا استغرقت الفروض وروي عنه أيضًا سقوطها باستغراق الفروض جريًا على أصله وروي عنه التوقف وقال علي رضي الله عنه أن للزوج النصف، وللأم الثلث وللأخت النصف وللجد السدس فتعول إلى تسعة ولكن لا يشاركها الجد بل تستقل بفرضها و يكتفى بفرضه، وعن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما للزوج النصف وللأم السدس، وللأخت النصف وللجد السدس فتعول إلى ثمانية، وقال أبو بكر وابن عباس ومن تابعهما يأخذ الجد الباقي بعد نصف الزوج وثلث الأم كما تقدم قولهم، وقال أبو ثور رحمه الله تعالى للزوج النصف وللأم ثلث الباقي والباقي للجد كالغراء والله أعلم. فصل: الحساب موضوعه التأصيل والتصحيح، فإن كان الورثة محض عصبة فالأصل والتصحيح هو عدد رؤوسهم، والذكر مع الإناث عن رأسين فيقال مثلًا في خمسة بنين أو ابنين وبنت أو ابن وثلاث بنات، أصلها خمسة ومنه تصح، وإن كانوا أصحاب فروض أو ذا فرض وعاصب فالتأصيل هو أقل عدد تستخرج منه فروض الورثة، والتصحيح هو أقل عدد تنقسم منه سهامهم عليهم، فالأصول التي تنبني عليها المسائل تسعة: منها سبعة متفق عليها، وهي الاثنان، والثلاثة والأربعة، والثمانية والستة والاثنا عشر والأربعة والعشرون. واثنان مختلف فيهما هل هما أصلان أو تصحيحان، والصحيح أنهما أصلان، وهما ثمانية عشر، وستة وثلاثون وهذه الأصول التسعة على أربعة أقسام قسم يكون عادلًا وناقصًا وهو الاثنان والثلاثة. وقسم لا يكون إلا ناقصًا وهو الأربعة والثمانية والأصلان المختلف فيهما. وقسم يكون عائلًا وناقصًا وهو الاثنا عشر والأربعة والعشرون. وقسم يكون عادلًا وعائلًا وناقصًا وهو الستة، ومعنى العادلة هو ما إذا استكملت الفروض عدد المخرج بلا زيادة ولا نقصان، والناقصة هو ما إذا زاد من عدد المخرج شيء بعد الفرض الخارج منه، ومعنى العول هو الزيادة في عدد المخرج عند مزاحمة الفروض الخارجة منه، فأصل الاثنين يخرج منه مسألتان: الأولى نصف وباقي كزوج أو بنت أو بنت ابن أو أخت شقيقة أو أخت لأب مع عاصب كعم. الثانية نصفان كزوج مع شقيقة أو أخت لأب، وأصل الثلاثة يخرج منه ثلاث مسائل: الأولى ثلث وباقي كأم، أو أولاد أم مع أخ شقيق. الثانية ثلثان وباقي كبنتين أو بنتي ابن أو أختين شقيقتين أو لأب وعم. الثالثة ثلثان وثلث كأختين شقيقتين أو لأب وأولاد أم وأصل الأربعة يخرج منه ثلاث مسائل: الأولى ربع وباقي كزوج وثلاثة بنين وكزوجة وثلاثة إخوة. الثانية ربع ونصف وباقي كزوج وبنت أو بنت ابن وأخ شقيق، وكزوجة وأخت شقيقة أو لأب وابن أخ شقيق. الثالثة ربع وثلث باقي وباقي كزوجة وأبوين وهي إحدى العمريتين. وأصل الثمانية يخرج منه مسألتان: الأولى ثمن وباقي كزوجة وابن. الثانية ثمن ونصف وباقي كزوجة وبنت أو بنت ابن وأخ. وأصل الستة يخرج منه إحدى عشرة مسألة بدون عول: الأولى سدس وباقي كأب أو أم أو جد أو جدة مع الفرع الوارث الذكر، وكولد أم وأخ شقيق. الثانية سدسان وباقي كأبوين أو جد و جدة أو أب وجدة أو أم وجد مع الفرع الوارث الذكر وكأخ لأم مع أم أو جدة وأخوة أشقاء. الثالثة سدس وثلثان وباقي كأب أو أم أو جد أو جدة مع بنتين أو بنتي ابن، وكأختين شقيقتين أو لأب مع أم أو جدة أو ولد أم. الرابعة سدسان وثلثان كأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع بنتين أو بنتي ابن، وكأختين شقيقتين أو لأب مع ولد أم وأم أو جدة. الخامسة سدس ونصف وباقي كأب أو أم أو جد أو جدة مع بنت أو بنت ابن، وكبنت وبنت ابن وكأخت شقيقة أو لأب مع جدة أو ولد أم، وكأخت شقيقة وأخت لأب، وكزوج مع أم أو جدة أو ولد أم وإخوة أشقاء. السادسة سدسان ونصف وباقي كأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع بنت أو بنت ابن، وكبنت وبنت ابن مع واحد ممن ذكر، وكأخت شقيقة أو لأب مع ولد أم وأم أو جدة وكأخت شقيقة وأخت لأب مع واحد ممن ذكر، وكزوج وولد أم وأم أو جدة مع إخوة أشقاء. السابعة ثلاثة أسداس ونصف كأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع بنت و بنت ابن، وكأخت شقيقة وأخت لأب وولد أم مع أم أو جدة. الثامنة نصف وثلث وباقي كأخت شقيقة أو لأب أو زوج مع أم أو أولاد أم. التاسعة ثلث وسدس وباقي كأم وولد أم، وكأولاد أم مع أم أو جدة. العاشرة نصف وثلث وسدس كأخت شقيقة وإخوة لأم مع أخت لأب أو أم أو جدة، وكأخت لأب وإخوة لأم وأم أو جدة. الحادية عشر نصف وثلث باقي والباقي كأبوين وزوج وهي الثانية من العمريتين وتعول إلى سبعة في أربع مسائل: الأولى ثلثان ونصف كزوج وأختين شقيقتين أو لأب. الثانية ثلثان وثلث وسدس كأختين شقيقتين أو لأب وإخوة لأم وأم أو جدة. الثالثة نصفان وسدس كزوج وأخت شقيقة أو لأب مع ولد أم أو جدة، وكزوج وأخت شقيقة مع أخت لأب، أو مع أم وإخوة لأب. الرابعة نصف وثلث وسدسان كأخت شقيقة وأخت لأب وأولاد أم وأم أو جدة. وإلى ثمانية في ثلاث مسائل: الأولى ثلثان ونصف وسدس كزوج وأختين شقيقتين أو لأب مع أم أو جدة أو ولد أم. الثانية نصفان وثلث كزوج وأخت شقيقة أو لأب مع أم أو أولاد أم. الثالثة نصفان وسدسان كزوج مع شقيقة وأخت لأب وولد أم أو أم أو جدة، أو مع أخت لأب وولد أم وأم أو جدة وإلى تسعة في أربعة مسائل: الأولى ثلثان ونصف وثلث كأختين شقيقتين أو لأب وزوج وأولاد أم. الثانية ثلثان ونصف وسدسان كأختين شقيقتين أو لأب وزوج وولد أم وأم أو جدة. الثالثة نصفان وثلث وسدس كزوج وأخت شقيقة أو لأب وأولاد أم وأم أو جدة، وكزوج وأخت شقيقة وأخت لأب وأولاد أم. الرابعة نصفان وثلاثة أسداس كزوج وشقيقة وأخت لأب وولد أم وأم أو جدة. وإلى عشرة في مسألتين: الأولى ثلثان ونصف وثلث وسدس كأختين شقيقتين أو لأب مع زوج وأولاد أم وأم أو جدة. الثانية نصفان وثلث وسدسان كزوج وأخت شقيقة وأخت لأب وأولاد أم وأم أو جدة، " وأصل الاثني عشر " يخرج منه ست مسائل بدون عول، الأولى سدس وربع وباقي كأب أو أم أو جد أو جدة وزوج وفرع وارث ذكر وكزوجة وولد أم أو أم أو جدة وإخوة أشقاء، الثانية سدسان وربع وباقي كأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد، وزوج مع الفرع الوارث الذكر، وكزوجة وأم أو جدة وولد أم وأشقاء. الثالثة سدس وربع ونصف وباقي، كأب أو أم أو جد أو جدة وزوج مع بنت أو بنت ابن وكزوج و بنت وبنت ابن، وكزوجة وأخت شقيقة مع أخت لأب أو ولد أم أو جدة، وكزوجة وأخت لأب مع جدة أو ولد أم، وكزوجة وأخت شقيقة وأم وإخوة لأب، الرابعة ثلث وربع وباقي كأم أو أولاد أم وزوجة، الخامسة ربع وثلث وسدس وباقي كزوجة وأم وولد أم، وكزوجة وأولاد أم وأم أو جدة، السادسة ثلثان وربع وباقي كزوج وبنتين أو بنتي ابن، وكزوجة وأختين شقيقتين أو لأب. وتعول إلى ثلاثة عشر في ثلاث مسائل، الأولى نصف وسدسان وربع كزوج وأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد، مع بنت أو بنت ابن وكزوج وبنته وبنت ابن وأب أو أم أو جد أو جدة، وكزوجة وأخت شقيقة أو لأب مع جدة وولد أم، وكزوجة وأخت شقيقة وأخت لأب وولد أم أو أم أو جدة، الثانية نصف وثلث وربع كزوجة وأخت شقيقة أو لأب مع أم أو أولاد أم، الثالثة ربع وسدس وثلثان كزوج وأب أو أم أو جد أو جدة مع بنتين أو بنتي ابن، وكزوجة وأم أو جدة أو ولد أم مع أختين شقيقتين أو لأب. وإلى خمسة عشر في أربع مسائل، الأولى ربع وسدسان وثلثان كزوج وأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجدة مع بنتين أو بنتي ابن وكزوجة وأختين شقيقتين أو لأب، وولد أم وأم أو جدة، الثانية ربع وثلثان وثلث كزوجة وأخوة لأم وأختين شقيقتين أو لأب الثالثة ربع وسدس وثلث ونصف كزوجة وأم أو جدة وأولاد أم وأخت شقيقة أو لأب، الرابعة ربع وثلاثة أسداس ونصف كزوج وأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع بنت وبنت ابن وكزوجة وأخت شقيقة وأخت لأب وولد أم وأم أو جدة، وإلى سبعة عشر في مسألتين الأولى ربع ونصف وثلث وسدسين، كزوجة وأخت شقيقة وأخت لأب وأولاد أم وأم أو جدة، الثانية ثلثان وثلث وسدس وربع كزوجة وأختين شقيقتين أو لأب وأولاد أم وأم أو جدة، وأصل الأربعة والعشرين يخرج منه ست مسائل الأولى ثمن وسدس وباقي كزوجة وأب أو أم أو جد أو جدة مع الفرع الوارث الذكر، الثانية ثمن وسدسان وباقي كزوجة وأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع فرع وارث ذكر، الثالثة ثمن وسدس ونصف وباقي كزوجة وأب، أو أم أو جد أو جدة مع بنت أو بنت ابن وكزوجة وبنت وبنت ابن، الرابعة ثمن وسدسان ونصف وباقي كزوجة وأبوين أو جد وجدة أو أب وجدة أو أم وجد مع بنت أو بنت ابن، وكزوجة وبنت وبنت ابن مع أب أو أم أو جد أو جدة، الخامسة ثمن وثلثان وباقي كزوجة وبنتين أو بنتي ابن السادسة ثمن وثلثان وسدس كزوجة وبنتين أو بنتي ابن مع أب أو أم أو جد أو جدة وتعول إلى سبعة وعشرين في مسألتين الأولى ثمن وثلثان وسدسان كزوجة وبنتين أو بنتي ابن مع أبوين أو جد وجدة أو أم وجد، أو أب وجدة، الثانية ثمن ونصف وثلاثة أسداس كزوجة وبنت ابن مع أبوين أو جد وجدة أو أم وجد أو أب وجدة. وأما أصل الثمانية عشر وستة وثلاثين فهما خاصان بباب الجد والأخوة فكل مسألة فيها سدس وثلث وباقي فأصلها من ثمانية عشر كأم وجد وأخوين وأخت فصاعدًا، وكل مسألة فيها سدس وربع وثلث باقي فأصلها ستة وثلاثون كان يكون مع من ذكر زوجة. حاصل ما ذكر في الأصول التسعة تسع وخمسون مسألة ففي أصل الاثنين مسألتان عادلة في مسألة ناقصة في الأخرى، وفي أصل الثلاثة ثلاث مسائل عادلة في مسألة ناقصة في اثنين، وفي أصل الأربعة ثلاثة مسائل ناقصة فيها كلها، وفي الثمانية مسألتان ناقصة في كليهما، وفي أصل الستة أربعة وعشرون مسألة عادلة في ثلاث ناقصة في ثمان عائلة في ثلاث عشرة، وفي أصل الإثني عشر خمس عشرة مسألة ناقصة في ست عائلة في تسع وفي أصل الأربعة والعشرين ثمان مسائل ناقصة في ست عائلة في اثنتين وفي كل من أصلي الجد مسألة كلتاهما ناقصة، وفي هذه المسائل المذكور صور كثيرة شتى من تتبعها مما جمعناه أمكنه حصرها فقد أشرنا في كل مسألة إلى صورها بذكر أنواع كل من يرث الفرض الواقع فيها مميزًا بأو التنويعية فليعلم ذلك وبالله التوفيق. فصل: التصحيح، فإن انقسمت سهام الورثة من مخرج فروضهم فذلك، وإلا احتيج إلى التصحيح، ثم الكسر إما أن يكون على فريق واحد أو على فريقين أو على ثلاث فرق أو على أربع ولا يتجاوزه، فالكسر على فريق واحد يتصور في جميع الأصول التسعة والنظر فيه بين رؤوس الفريق وسهامهم فقط فأما أن توافق السهام كالرؤوس أو تباين فإن وافقت فاردد عدد الرؤوس إلى الوفق واثبت الراجع وإن باينت فأثبت الجميع والمثبت هو جزء السهم فاضربه في أصل المسألة فما بلغ فمنه تصح فاعط كل وارث نصيبه من أصل المسألة مضروبًا في جزء السهم فحينئذ يقع في كل أصل من التسعة مسألتان إحداهما مباينة والأخرى موافقة إلا الاثنين فلا يقع الكسر فيه إلا مباينًا لأن الواحد مباين لجميع الأعداد، مثاله فيه زوج وأخوين أشقاء للزوج النصف والباقي واحد مباين للأخوين هما جزء السهم وتصح من أربعة، ومثاله في الثلاثة موافقًا أربع شقائق وأخ لأب للشقائق الثلثان اثنان ما يقسم عليهن ويوافق بالنصف ارددهن إلى نصفهن اثنين وهو جزء السهم وتصح من ستة ومثاله فيه مباينًا كون الشقائق ثلاثًا وتصح من تسعة، ومثاله في الأربعة موافقًا زوج وستة بنين وتصح من ثمانية، ومثاله فيه مباينًا إن كانوا أربعة وتصح من ستة عشر، ومثاله في الستة موافقًا أم وعشرة بنين وتصح من اثني عشر، ومثاله مباينًا أم وابنين وتصح من اثني عشر أيضًا ومثاله في الثمانية موافقًا زوجة وأربعة عشر ابنًا وتصح من ستة عشر، ومثاله فيه مباينًا زوجة وابنين وتصح من ستة عشر أيضًا، ومثاله في الإثني عشر موافقًا زوجة وأم وأربعة عشر أخًا شقيقًا، وتصح من أربعة وعشرين ومثله مبانيًا أخوين أشقاء مع الزوجة والأم وتصح من أربعة وعشرين أيضًا، ومثاله في أربعة وعشرين موافقة زوجة واثنان وثلاثون بنتًا تصح من ثمانية وأربعين، ومباينًا إن كان البنات ثلاثًا وتصح من اثنين وسبعين، ومثاله في الثمانية عشر موافقة أم وجد وأربعة أشقاء أو لأب، وتصح من ستة وثلاثين، ومثاله فيها مباينًا إذا كان الأخوة ثلاثة وتصح من أربعة وخمسين ومثاله في ستة وثلاثين موافقًا زوجة وأم وجد وأربعة أخوة وتصح من اثنين وسبعين، ومثاله مباينًا إن كان الأخوة ثلاثة وتصح من مائة وثمانية والكسر على أكثر من فريق لك فيه نظران: النظر الأول بين كل فريق وسهامه على ما سبق، النظر الثاني بين المثبتات بالنسب الأربع، وهي المماثلة والمداخلة والموافقة والمباينة وحقيقة المماثلة تساوي عددين بحيث لو كان أحدهما ورثة والآخر سهام لأتاهم من واحد كثلاثة وثلاثة وأربعة وأربعة وخمسة وخمسة وحقيقة المداخلة كون أصغر العددين جزءًا من أكبرهما بحيث لو ثني عليه أفناه ولم يزد شيء كاثنين وأربعة وثلاثة وستة ونحوهما وحقيقة الموافقة اتفاق العددين في التجزئة بدون تداخل بينهما كأربعة وستة موافقة بالنصف وستة وتسعة موافقة بالثلث ونحو ذلك، والمباينة هو أن لا يوجد بين العددين تناسب بوجه مما تقدم كثلاثة وأربعة وخمسة وسبعة ونحو ذلك، فالمتماثلان يكتفى بأحدهما، والمتداخلان يكتفى بأكبرهما، والمتوافقان يضرب وفق أحدهما في كامل الآخر، والمتباينان يضرب كامل أحدهما في كامل الآخر، فالمثبت من أحدهما المتماثلين، وأكبر المتداخلين، ومبلغ الضرب من وفق أحد المتوافقين أو كامل أحد المتباينين في كامل الآخر هو جزء السهم فاضربه في أصل المسألة فما بلغ فمنه تصح فحينئذ من له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا في جزء السهم، فالكسر على فريقين يقع في جميع الأصول إلا الاثنين فلا يقع فيه لأن الفرض الخارج منه وهو النصف لا يكون إلا لواحد، وينحصر النظر فيه بين السهام والرؤوس في ثلاث حالات إما أن توافق كلا من الفريقين سهامه أو تباينه، أو توافق فريقًا وتباين الآخر، والنظر بين المثبتات، ينحصر في أربع حالات إما أن يتماثلا أو يتداخلا أو يتوافقا أو يتباينا فمسائله اثنا عشر حاصل ضرب ثلاث في أربع، مثال موافقة السهام للفريقين مع التماثل بينهما أم وأربعة إخوة لأم وستة أعمام، أصلها ستة وجزء سهمها اثنان أحدا المتماثلين وتصح من اثني عشر، ومثاله مع التداخل بينهما أن يكون الأعمام في هي المسألة اثني عشر أصلها ستة وجزء سهمها أربعة أكبر المتداخلين وتصح من أربعة وعشرين، ومثاله مع توافقها أم وثمانية إخوة لأم وثمانية عشر عما أصلها ستة وجزء سهمها اثنا عشر حاصل ضرب الوفق من راجع الإخوة في الموافق وهو راجع الأعمام، وتصح من اثنين وسبعين، ومثاله مع تباينهما أم وأربعة إخوة لأم وتسعة أعمام أصلها ستة وجزء سهمها ستة من ضرب راجع الأخوة اثنين في راجع الأعمام ثلاثة وتصح من ستة وثلاثين، ومثال مباينة السهام لكلا الفريقين مع تماثلهما، ثلاثة إخوة لأم وثلاثة أعمام أصلها ثلاثة، وجزء سهمها ثلاثة أحد المتماثلين وتصح من تسعة ومثاله مع تداخلهما ستة إخوة لأم وثلاثة أعمام أصلها ثلاثة وجزء سهمها ستة أكبر المتداخلين وتصح من ثمانية عشر، ومثاله مع توافقهما ستة أولاد أم وتسعة أعمام، أصلها ثلاثة وجزء سهمها ثمانية عشر من ضرب وفق الستة اثنين في الموافق تسعة وتصح من أربع وخمسين، ومثاله مع تباينهما أخوين لأم وثلاثة أعمام أصلها ثلاثة وجزء سهمها ستة من ضرب اثنين في ثلاثة وتصح من ثمانية عشر، ومثال موافقة السهام لفريق مع مباينتها الآخر، مع تماثل المثبتين زوجتان وأربعة عشر ابنًا أصلها ثمانية وجزء سهمها اثنان أحد المتماثلين وتصح من ستة عشر، ومثاله مع تداخلهما زوجتان واثنا عشر أخًا شقيقًا أصلها أربعة وجزء سهمها أربعة أكبر المتداخلين وتصح من ستة عشر، ومثاله مع توافقهما ستة إخوة لأم وثمانية أعمام أصلها ثلاثة وجزء سهمها اثنا عشر حاصل ضرب وفق راجع الأعمام اثنين في ستة وتصح من ستة وثلاثين، ومثاله مع تباينهما ثلاثة إخوة لأم وأربعة أعمام أصلها ثلاثة وجزء سهمها ستة من ضرب اثنين في ثلاثة وتصح من ثمانية عشر. والكسر على ثلاث فرق لا يقع إلا في الأصول التي تعول، وفي أصل ستة وثلاثين، وفيه للسهام مع الرؤوس أربع حالات إما أن توافقها أو تباينها، أو توافق اثنين وتباين الثالث، أو تباين اثنين وتوافق الثالث ثم المثبتات إما أن تتماثل أو تتداخل أو تتوافق أو تتباين أو يتماثل اثنان ويداخلهما الثالث أو يوافقهما أو يباينهما أو يتداخل اثنان ويوافقهما الثالث أو يباينهما، أو يتوافق اثنان ويباينهما الثالث، فهذه عشر حالات في النظر بين المثبتات تضرب في الأربع السابقة تبلغ أربعين مسألة. مثال موافقة السهام للرؤوس مع تماثل المثبتات زوجة وست عشرة أختًا شقيقة وثمانية إخوة لأم وأربع جدات، أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها اثنان وتصح من أربعة وثلاثين، ومثاله مع تداخلهما زوجة وثمان جدات وست عشرة أختًا شقيقة واثنين وثلاثين أخًا لأم، أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها ثمانية وتصح من مائة وستة وثلاثين، ومثاله مع توافقها زوجة وثلاثون شقيقة وثمانية عشرة جدة وأربعة وعشرون أخًا لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها تسعون وتصح من ألف وخمسمائة وثلاثين ومثاله مع تباينهما زوجة وأربع جدات وعشر شقائق وستة أخوة لأم أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها ثلاثون وتصح من خمسمائة وعشرة ومثاله مع مماثلة اثنين ومداخلة الثالث لهما زوجة وثمان جدات وست عشرة أختًا شقيقة وست عشر أخًا لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها أربعة وتصح من ثمانية وستين ومثاله مع موافقة الثالث لهما كون الشقائق ثمان وأربعين يصير جزء سهمها اثني عشر وتصح من مائتين وأربعة، ومثاله مع مباينته لهما كون الشقائق ستًا جزء سهمها وتصحيحها كالتي قبلها، ومثاله مع تداخل اثنين وموافقة الثالث لهما زوجة وثمان جدات واثنان وثلاثون أخًا لأم وثمان وأربعون شقيقة أصلها اثناعشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها أربعة وعشرون وتصح من أربعمائة وثمانية ومثاله مع مباينته لهما كون الشقائق ستًا وأصلها وعولها وجزء سهمها وتصحيحها كالتي قبلها، ومثاله مع موافقة اثنين ومباينة الثالث لهما زوجة وثماني عشرة شقيقة واثنتا عشرة جدة وعشرة إخوة لأم جزء سهمها تسعون وتصح من ألف وخمسمائة وثلاثين، فهذه عشر مسائل في الحالة الأولى من الأربع التي للسهام مع الرؤوس وهي واقعة في كل حالة من الثلاث الباقيات ولا نطيل بأمثلتها. والكسر على أربع فرق لا يقع إلا في أصل اثني عشر وضعفه، وفيه للسهام مع الرؤوس أربع حالات إما أن تباينها أو توافق ثلاثة وتباين الرابع أو تباين ثلاثة وتوافق الرابع أو تباين فريقين وتوافق فريقين ولا يتصور أن يوافق كلا من الأربعة سهامه وذلك لأن الفريق الرابع وهن الزوجات إن لم تقسم سهامهن باينت لا محالة سواء كان ربعًا أو ثمنًا والنظر بين المثبتات إما أن تتماثل أو تتداخل أو تتوافق أو تتباين أو تتماثل ثلاثة ويداخلها الرابع، أو يوافقها أو يباينها، أو يتداخل ثلاثة ويوافقها الرابع أو يباينها، أو يتوافق ثلاثة ويباينها الرابع أو يتماثل اثنان ويتداخل الآخران أو يتوافقا أو يتباينا، أو يتداخل اثنان ويتوافق الآخران أو يتباينا، أو يتوافق اثنان ويتباين الآخران فهذه ست عشرة حالة للمثبتات ولو وقعت في كل واحدة من حالات السهام الأربع لكانت مسائل أربع وستون مسألة، لكنه لا يتصور في مباينة السهام للفرق جميعها ولا في مباينتها لثلاث مع موافقة الرابع أن تتماثل المثبتات ولا أن تتداخل ولا أن تتوافق، ولا أن تتماثل ثلاثة يداخلها الرابع أو يوافقها، ولا أن تتداخل ثلاث يوافقها الرابع، واستقصاء الصور الممكنة بالتمثيل وتوجيه امتناع الممتنع مما يطول وينافي ما وعدنا به من الاختصار، والمقصود هنا إنما هو بيان القاعدة والضابط وقد حصل بما ذكرنا، ولنمثل الأحوال المثبتات الستة عشر تنبيهًا على كيفية العمل فيها من دون التزام ترتيبها على حالات فنقول مثال تماثل المثبتات زوجتان وأربعة جدات وثمانية إخوة لأم وست عشرة شقيقة أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها اثنان وتصح من أربعة وثلاثين، ومثال تداخلها زوجتان وثمان جدات، واثنان وثلاثون أخًا لأم ومائة وثمان وعشرون شقيقة أصلها كالأولى وجزء سهمها ستة عشر وتصح من مائتين واثنين وسبعين، ومثال توافقها أربع زوجات وعشرون جدة وستة وثلاثون شقيقة وأربعة وعشرون أخًا لأم، أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها مائة وثمانون وتصح من ثلاثة آلاف وستين، ومثال تباينها زوجتان وست شقائق وعشر جدات وأربعة عشر أخًا لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها مائتان وعشرة وتصح من ثلاثة آلاف وخمسمائة وسبعين ومثال تماثل ثلاثة يداخلها الرابع زوجتان وثمان جدات وستة عشر أخًا لأم واثنان وثلاثون شقيقة أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها أربعة وتصح من ثمانية وستين ومثال تماثل ثلاثة يوافقها الرابع أربع زوجات وثمان جدات واثنان وثلاثون أختًا شقيقة وأربعة وعشرون أخًا لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها اثنا عشر وتصح من مائتين وأربعة ومثال تماثل ثلاثة يباينها الرابع أن يكون الأخوة لأم ثلاثة وتصحيحها كالتي قبلها ومثال تداخل ثلاثة يوافقها الرابع زوجتان وثمان جدات واثنان وثلاثون أخًا لأم وثمان وأربعون شقيقة أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها أربعة وعشرون وتصح من أربعمائة وثمانية ومثال تداخل ثلاثة يباينها الرابع إن جعلنا الشقائق ثلاثًا وتصحيحها كالتي قبلها، ومثال توافق ثلاثة يباينها الرابع أربع زوجات وعشرون جدة وأربعة وعشرون أخًا لأم وخمس شقائق أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها ثلاثمائة وتصح من خمسة آلاف ومائة ومثال تماثل اثنين وتداخل الآخرين أربع زوجات وست عشرة شقيقة أو لأب وثلاث جدات وثلاثة إخوة لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها اثنا عشر وتصح من مائتين وأربعة، ومثال تماثل اثنين وتوافق الآخرين زوجتان وست عشرة شقيقة وعشرون جدة وخمسة عشر أخًا لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها ثلاثون وتصح من خمسمائة وعشرة، ومثال تماثل اثنين وتباين الآخرين زوجتان، وست عشرة شقيقة وثلاث جدات وخمسة إخوة لأم أصلها وجزء سهمها وتصحيحها كالتي قبلها، ومثال تداخل اثنين وتوافق الآخرين أربع زوجات وعشرون جدة وتسع شقائق وثلاثة إخوة لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها مائة وثمانون وتصح من ثلاثة آلاف وستين، ومثال تداخل اثنين وتباين الآخرين زوجتان وخمس جدات وتسع شقائق وثلاثة إخوة لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها تسعون وتصح من ألف وخمسمائة وثلاثين، ومثال توافق اثنين وتباين الآخرين أربع زوجات واثنتا عشرة جدة وخمس شقائق وسبعة إخوة لأم أصلها اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر وجزء سهمها أربعمائة وعشرون وتصح من سبعة آلاف ومائة وأربعين فهذه ستة عشر مثالًا لأحوال المثبتات ولا تخفى بقية الأمثلة على من عرف ما تقدم وبالله التوفيق.. فصل المناسخة: إذا عرفت كيفية القسمة في هالك واحد فاعلم انه إذا مات آخر من الورثة قبل قسمة التركة فالعمل فيه أن تصحح مسألة الهالك الأول، وتعرف منها سهام كل وارث منهم ثم تصحح مسألة الثاني وتنظر فإن انقسمت على سهامه لم تحتج إلى عمل، وإن لم تنقسم فانظر هل توافق سهامه مسألته أم لا فإن وافقت فاضرب وفقها في كامل الأولى وإن لم توافق بل باينت فاضرب كاملها في كامل الأولى، فما بلغ فهو الجامعة فتقول من له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروبًا في وفق الثانية إن كانت موافقة أو في كاملها إن كانت مباينة ومن له شيء من الثانية أخذه مضروبًا في وفق سهام المورث إن كانت موافقة أو في كاملها إن كانت مباينة مثال ما انقسمت سهامه على مسألته ماتت، عن أم وزوج وعم ثم مات الزوج عن ثلاثة بنين أو أبوين، أصل الأولى من ستة للأم اثنان وللزوج ثلاثة وللعم واحد، والثانية من ثلاثة قاسمة على البنين أو الأبوين فتكون الأولى هي الجامعة وتقول صحت مما صحت منه الأولى، ومثال ما لم تنقسم ووافقت سهامه مسألته ما لو مات الزوج عن ستة بنين فمسألته ستة توافق سهامه بالثلث فاضرب ثلث مسألته اثنين في كامل الأولى الجامعة اثنا عشر للأم من الأولى اثنان في اثنين بأربعة وللعم واحد في اثنين باثنين وللبنين ستة في وفق سهامه واحد بستة، ومثال ما إذا باينت سهام الثاني مسألته لو مات الزوج في هذه المسألة عن خمسة بنين مسألته من عدد رؤوسهم خمسة وسهامه ثلاثة مباينة لها فالجامعة ثلاثون من ضرب خمسة في ستة للأم اثنان من الأولى في كامل الثانية خمسة لها عشرة وللعم واحد في خمسة فله خمسة، وللبنين خمسة من الثانية في كامل سهام المورث ثلاثة فلهم خمسة عشر، فإذا مات أكثر من واحد قبل القسمة فاجعل الجامعة أولى بالنسبة إلى الثالثة، والجامعة الثانية التي من الثالثة وما قبلها أولى بالنسبة إلى الرابعة وهكذا فاصنع مثال ذلك في المسألة المذكورة أولا ماتت الأم عن أربعة إخوة لأب مسألتها أربعة من عدد رؤوسهم وسهامها من الجامعة الأولى عشرة توافق بالنصف أردد مسألتها إلى نصفها اثنين ثم اضربها في الجامعة ثلاثين يحصل ستون فهي الجامعة، لورثة الزوج خمسة عشر من الجامعة الأولى في وفق الثانية اثنين فلهم ثلاثون، وللعم خمسة منها في وفق الثانية فله عشرة، وللأخوة لأب من الثانية أربعة في وفق سهام المورث خمسة فلهم عشرون فلو مات العم عن عشرة بنين فمسألته من عدد رؤوسهم وسهامه قاسمة فالجامعة على حالها واعلم أن الورثة في الثانية قد يكونون هم الورثة في الأولى، وقد يكونون غيرهم وقد يكون بعضهم من الأولى وبعضهم خارجًا، وكون بعضهم منها قد يكون وارثًا في الثانية وقد يكون محجوبًا بغيره وقد يكون ساقطًا بنفسه، وقد يكون وارثًا بتقدير الأول ذكرًا وساقطًا بتقديره أنثى فيحتاج إلى استفهام عن الهالك الأول ليعلم الوارث من الساقط كهالك عن أبوين وبنتين، ثم هلكت إحدى البنات عمن في المسألة فيحتاج في هذه المسألة أن يقال هل الهالك الأول ذكر أو أنثى، لأن الأبوين قد صارا جدًا وجدة فإن كان الهالك الأول ذكرًا ورث الجد وإلا سقط لكونه أدلى بأنثى، وكذا يتنبه الطالب لمسائل الاختصار مهما أمكن وقد يجب ذلك إذا انحصر إرث وارث الثاني في ورثة ورثوا منه ومن الأول بمحض العصوبة كما لو خلف شخص امرأة وأبوين وخمسة بنين وثلاث بنات فمات أحد البنين ثم ماتت الزوجة ثم بنت، ثم الأم، ثم ابن آخر، ثم الأب وابن آخر فقد بقي ابنان وابنتان فاجعل المسألة من عدد الرؤوس ستة وكأن الأول لم يمت إلا عنهم فقط لأنه وإن كان خرج شيء عن الباقين بتساو أو تفاوت فقد عاد إليهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وقد ينحصر فيما إذا كان الإرث في الجميع بالفرض وكان اسم الفرض في المسألتين واحدًا كامرأة هلكت عن زوج وأخت شقيقة وأخت لأب ثم بعد موتها تزوج الزوج الأخت لأب وماتت فالإرث راجع إلى الزوج والأخت الشقيقة نصفين. والله أعلم. فصل: في قسمة التركات " اعلم أن هذا الفصل مهم جدًا بل هو المقصود بالذات في هذا الباب وله كيفيات كثيرة في المطولات وأيسرها على الطالب وأجمعها لأنواع التراث من نقود أو عروض أو عقارات وأقربها لأفهام العامة وغيرهم، هو الكيفية المعروفة بالنسبة وذلك أن تعرف نسبة حظ كل وارث إلى أصل المسألة أو تصحيحه ثم تخرج له من التركة بحسب نسبته إلى المسألة ففي زوجة وأبوين أصلها أربعة ومنه تصح فإذا كانت التركة مثلًا مائة دينار فللزوجة الربع واحد أنسب لها ربع التركة خمسة وعشرون دينارًا وللأم ثلث الباقي واحد وهو بالنسبة إلى التركة ربعها أيضًا فلها خمسة وعشرون، وللأب الباقي اثنان هو بالنسبة إلى المسألة نصفها أنسب له تصف التركة خمسين دينارًا، وفي أبوين وزوجة وبنت والتركة أربعة آلاف وثمانمائة دينار أصلها من أربعة وعشرين للأبوين لكل واحد منهما السدس أربعة وللزوجة الثمن ثلاثة وللبنت النصف اثناعشر ويبقى واحد يرجع للأب فانسب للأم أربعة هي سدس المسألة ومن التركة ثمانمائة، وللأب خمسة فرضًا وتعصيبًا وهو سدس المسألة وربعه أنسبه له من التركة يكن ألفًا، وللزوجة ثلاثتها هي ثمن المسألة أنسبه لها من التركة يكن ستمائة، وللبنت اثنا عشر هو نصف المسألة أنسبه إلى التركة يكن ألفين وأربعمائة ومن ذلك قاعدة القيراط وهي موصلة إلى النسبة المذكور ومقربة لها في التصحيح الكثير العدد والقيراط الجامع للمخارج هو أربعة وعشرون، وكيفيته أن تضرب لكل وارث نصيبه من المسألة في مخرج القيراط فما بلغ فاقسمه على المسألة، وأثبت الخارج عليها له مثال ذلك زوج وأخت شقيقة وأم أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية، للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان اضرب للزوج نصيبه ثلاثة في أربعة وعشرين يكن اثنين وسبعين اقسمها على الثمانية يخرج على تسعة قراريط وللأخت الشقيقة مثله، وللأم اثنان في أربعة وعشرين بثمانية وأربعين تقسم على ستة قراريط فالمجموع أربعة وعشرون، وهكذا لو بلغ العدد كم ألف ترده بالقيراط إلى الأربعة وعشرين، ومنه تنسب لكل وارث حظه. فصل: الخنثى المشكل وهو من لم تبن ذكورته من أنوثته وهو منحصر في أربعة جهات البنوة والأخوة والعمومة والولاء وجملة الحكم فيه أن يعامل هو ومن معه بالأضر فتجعل له مسألتان مسألة لذكورته ومسألة لأنوثته، فمن كان الأضر عليه مسألة الذكورة أعطي منها، ومن كان الأضر عليه مسألة الأنوثة أعطي منها، ومن كان لا ضرر عليه أعطي نصيبه وافرًا، ومن كان يسقط بتقدير ذكورته لم يعط شيئًا، وما بقي بعد المعاملة بالأضرار يوقف حتى يتبين الحال، ثم الخنثى له خمسة أحوال، تارة تستوي ذكورته وأنوثته إرثًا وسقوطًا وتارة يرث بالذكورة أكثر وتارة بالأنوثة أكثر وتارة يرث بالذكورة دون الأنوثة، وتارة بالأنوثة دون الذكورة مثال استواء الحالتين إرثًا أبوان وبنت وولد ابن خنثى المسألة ومن ستة للأبوين لكل واحد منهما السدس وللبنت النصف ثلاثة وللخنثى واحد، إن كان أنثى فهو سدس تكملة الثلثين وإن كان ذكرًا فهو تعصيب ولا يوافق شيء إذ لا ضرر ومثال استوائهما سقوطًا أبوان وبنتان وولد ابن خنثى فهو ساقط إن كان عاصبًا فباستكمال الفروض، وإن كان أنثى فباستكمال البنات الثلثين، ومثال إرثه بالذكورة أكثر بنت وولد ابن خنثى وعم، مسألة الذكورة من اثنين ومسألة الأنوثة من ستة بينهما تداخل فالكبرى هي الجامعة فللبنت النصف واحد من اثنين في ثلاثة وفق مسألة الأنوثة أو ثلاثة من مسألة الأنوثة في واحد وفق الأخرى سواء لا ضرر عليها، والأضر على الخنثى أنوثته فيعطى السدس واحد من ستة في وفق الأخرى واحد يتوقف اثنان إن صح ذكرًا أخذها وإلا فهي للعم ومثال إرثه بالأنوثة أكثر زوج وأم وشقيق خنثى كلا مسألتيه من ستة لكن بأنوثته تعول إلى ثمانية، وبذكورته لا تعول، بينهما موافقة بالنصف فبضرب نصف أحداهما في الأخرى تصح الجامعة من أربعة وعشرين، فالأضر على الأم والزوج أنوثته لمزاحمة العول فللأم الثلث اثنان عائلة في وفق مسألة الذكورة ثلاثة بستة وللزوج ثلاثة في ثلاث بتسعة، والأضر على الخنثى ذكورته فله واحد من مسألة الذكورة في وفق الأخرى أربعة فله أربعة يتوقف خمسة إن بانت أنوثته أي الخنثى ردت عليه وصار له النصف عائلًا تسعة كالزوج وإن بانت ذكورته رد منها ثلاثة على الزوج فيصير له النصف عادلًا اثنا عشر، واثنان على الأم فيصير لها الثلث عادلًا ثمانية، ومثال إرثه بالذكورة دون الأنوثة أختان شقيقتان وولد أب خنثى مسألة الذكورة والأنوثة كلاهما من ثلاثة للشقيقتين الثلثان اثنان والباقي واحد يتوقف أن بان الخنثى ذكرًا أخذه وإلا فهو لأولى ذكر. ومثال إرثه بالأنوثة دون الذكورة زوج وأخت شقيقة وولد أب خنثى مسالة الذكورة من اثنين، ومسألة الأنوثة من ستة وتعول إلى سبعة بينهما مباينة. الجامعة أربعة عشر من ضرب اثنين في سبعة، الأضر على الزوج والشقيقة أنوثته لمزاحمة العول، والأضر على الخنثى ذكورته لاستغراق الفروض فللزوج النصف ثلاثة عائلًا في اثنين بستة ومثله للشقيقة يبقى اثنان إن بان أنثى فهي له سدسا عائلا، وإن بان ذكرًا رد واحد على الزوج وواحد على الشقيقة وسقط العاصب، وإن وجد خنثيان فأكثر فاجعل لكل واحد مسألتين فتجعل في خنثيين ثلاث مسائل: مسألة لذكورتهما ومسألة لأنوثتهما ومسألة لذكورة واحد وأنوثة الثاني. وفي ثلاث خناثي أربع مسائل ذكورتهم، أنوثتهم، ذكورة اثنين وأنوثة الثالث، أنوثة اثنين وذكورة الثالث، وعلى هذا فقس. " فصل في المفقود ": إن كان موروثًا فحكمه أن يوقف جميع ماله حتى يتبين موته ببينة أو اجتهاد حاكم، وإن كان وارثًا فحكمه كحكم الخنثى فتجعل للورثة الحاضرين مسألتين: مسألة باعتبار حياته، وأخرى باعتبار موته ويعاملون بالأضر، ومن كان لا يرث باعتبار حياته لم يعط شيئا، مثل ذلك أختان شقيقتان حاضرتان، وعم حاضر وأخ شقيق مفقود مسألة حياته من أربعة، ومسألة موته من ثلاثة، الجامعة لها اثنا عشر، والأضر على الأختين والعم حياته فاعطهما اثنين من أربعة في ثلاثة بستة، والمتوقف ستة إن رجع أخذها، وإن بان موته رد منها اثنان على الشقيقتين تكملة الثلثين والباقي للعم. " فصل: في ميراث الحمل " إذا مات الشخص عن حمل يحتمل أن يرث بتقدير من التقادير أو يحجب، فيعامل شريك الحمل بالأضر من تقادير عدم الحمل وجوده وذكورته وأنوثته وإفراده وتعدده، ويوقف المال أو الباقي إلى الوضع أو بيان الحمل، والمعتمد من مذهب الإمام الشافعي أنه لا ضابط لعدد الحمل، مثال ذلك أبوان وزوجة حاملًا فالأضر في حق الأبوين والزوجة كون الحمل عددًا إناثًا فتعول إلى سبعة وعشرين، وللأبوين لكل واحد منهما السدس أربعة ويوقف ستة عشر وشرط إرث الحمل أن يستهل لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال ( إذا استهل المولود ورث ) رواه أبوداود، وحديث جابر رضي الله عنه والمسور بن مخرمة قالا قضى رسول الله ﷺ ( لا يرث الصبي حتى يستهل ) ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله رحمهما الله تعالى، واختلفوا في معنى الاستهلال فأهل الفرائض قالوا بالصوت أو الحركة وهو قول الكرخي وروي عن علي وزفر والشافعي، وروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وشريح والنخعي ومالك وأهل المدينة أنه لا يرث ما لم يستهل صارخًا. فصل: فيما إذا مات متوارثان فأكثر في أوان واحد ولم يعلم الأقدم موتًا كأن هلكوا في هدم أو غرق أو حرق، فأرث كل واحد منهم لورثته دون ورثة الآخر وصاروا في حكم الأجانب كما إذا مات الزوجات مثلًا بهذه الصفة ولكل واحد منهما إخوة أو بنون ليسوا من الآخر فلا توارث بينهما لعدم العلم بالأول موتًا، وصرف إرث كل منهما إلى ورثته المذكورين. " فصل: الميراث بالولاء " الأصل في قوله ﷺ " إنما الولاء لمن أعتق " وللبخاري في رواية " الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة " فإذا مات وترك معتقه حاز المعتق جميع المال أو الباقي بعد ذوي الفروض، لحديث سلمى بنت حمزة أن مولاها مات وترك ابنته فورث النبي ﷺ ابنته النصف وورث يعلى النصف وكان ابن سلمى " رواه أحمد، فإن عدموا فمعتقه، فإن مات فعصبة معتقة وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه فروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس أن مولى العتاق لا يرث إلا بعد ذوي أرحام الميت، وذهب غيرهم إلى أنه يقدم على ذوي الأرحام ويأخذ الباقي بعد ذوي السهام ويسقط مع العصبات، ولا يرث النساء بالولاء إلا من عتيقهن أو عتيقة، لأنهن ليس فيهن عصبة بنفسها غير المعتقة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال " ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء إلا ولاء من اعتقن، ولا يعصب في الولاء ذكر أنثى بل يختص به ذكور أولاد المعتق وإخوته ويختص به الكبر فإذا خلف رجل ولدين وقد كان أعتق عبدًا فمات أحد الوالدين وخلف ولدًا ثم مات العتيق اختص بولائه ابن المعتق دون ابن ابنه، وكذلك لو أعتق رجل عبدًا ثم مات وترك أخوين، ثم مات أحدهما وترك ابنا ثم مات العتيق فميراثه لأخي المعتق دون ابن أخيه والله أعلم. فصل: " في ميراث المعتق بعضه " عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال المكاتب يعتق بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه ويورث بقدر ما عتق منه " رواه النسائي، وكذلك أبو داود والترمذي بنحوه وحسنه الترمذي. " فصل في الرد على أهل الفروض": وهو ضد العول لأنه نقصان من عدد السهام. وزيادة في مقادير الأنصباء وألا يرد على الزوجين إن لم يكن بينهما رحم لأن الرد إنما يستحق بالرحم ولا رحم بين للزوجين من حيث الزوجية ويرد على من عداهما، وكيفيته إذا لم يكن في ذوي الفروض زوج ولا زوجة، وكان من يرد عليه شخصًا واحدًا فإن جميع المال فرضًا وردًا وإن كان صنفًا واحدًا وهم عدد فمسألة الرد من عدد رؤوسهم، وإن كانوا صنفين أو ثلاثة فمسألة الرد من عدد فروضهم فجملة أصول مسائل الرد إذا لم يكن فيها أحد الزوجين أربعة أصوله، وهي اثنان كجدة وأخ لأم، وثلاثة كأم وولديهما، وأربعة كبنت وأم أوأخت شقيقة وأخت لأب، وكبنت بنت وابن، وخمسة كأم وشقيقة أو شقيقتين أو أخت شقيقة وأخت لأب، أو بنتين أو بنت وبنت ابن، وكلها مأخوذة من أصل ستة فإن انقسمت الأنصباء على أهلها وإلا فصحح، وإن كان في المسألة أحد الزوجين فله فرضه ومخرجه اثنان إن كان نصفًا، وأربعة إن كان ربعًا، وثمانية إن كان ثمنًا، فإن كان من يرد عليه شخصًا واحدًا أو صنفًا واحدًا، أو أكثر من صنف وانقسم الباقي من مخرج الزوجية على مسألة الرد فالمخرج هو ذلك الأصل. وإلا فاضرب مسألة الرد في مخرج فرض الزوجية يحصل أصل المسألة ولا تتأتى فيها الموافقة، وعدة أصول المسائل التي فيها أحد الزوجين ستة، اثنان كزوج وأم، وأربعة كزوجة وأم وولديها، وثمانية كزوجة وبنت، وستة عشر كزوج وبنت وبنت ابن، واثنان وثلاثون كزوجة وبنت وخمس جدات، وأربعون كزوجة وبنت وبنت ابن وجدة. ( فصل في الرد على ذوي الأرحام ): وهم أربعة أنواع، الأول أولاد البنات وأولاد بنات الابن، والثاني الأجداد الساقطون والجدات الساقطات الثالث بنات الإخوة وأولاد الأخوات وأولاد الإخوة لأم، الرابع الأخوال والخالات والعمات والأعمام لأم وأولادهم، واختلف في توريثهم فعن علي وابن مسعود وأبي الدرداء والشعبي ومسروق ومحمد بن الحنفية والنخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي نعيم ويحيى بن آدم والقاسم بن سلام وأبي حنيفة وإسحق والحسن بن زياد القول بتوريثهم إذا لم يكن معهم أحد من العصبة وذوي السهام. وإلى ذلك ذهب فقهاء العراق والكوفة والبصرة وغيرهم وعن زيد بن ثابت رضي الله عنهم والزهري ومكحول والقاسم بن إبراهيم ومالك والشافعي أنه لا ميراث لهم، وبه قال فقهاء الحجاز واستدل المورثون بعموم قوله تعالى ) وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ( وقوله تعالى ) للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ( وحديث المقدام ابن معد يكرب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ وفيه ( والخال وارث من لا وارث له ) رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن، وحديث عائشة أن مولى للنبي ﷺ خر من عذق نخلة فمات فأتى به النبي ﷺ فقال هل له من نسب أو رحم قالوا لا: قال أعطوا ميراثه أهل قريته ) رواه الخمسة إلا النسائي، وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ آخى بين أصحابه وكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت ) وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ( فتوارثوا بالنسب رواه الدار قطني ومن أدلة المانعين قوله ﷺ: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه " فخصوا من ذوي الأرحام من نص على إرثه القرآن بفرض أو تعصيب ومن عداهم فليس له حق. وحديث " سألت الله عز وجل عن ميراث العمة والخالة فسارني أن لا ميراث لهما " أخرجه أبو داود في المراسيل وغيره، وله طرق كثيرة في جميعها مقال، ولكن قالوا تنتهض بمجموعها للاحتجاج، وأجاب المورثون بأنها لا تقوم بها حجة، وعلى فرض صلاحيتها للاحتجاج فمعنى الحديث أن لا ميراث لهما مقدرًا، واختلفوا في كيفية توريثهم فقال أهل التنزيل: كل واحد من ذوي الأرحام ينزل منزلة الوارث يدلى به ثم ينظر في الورثة لو قدر اجتماعهم فإن كانوا يرثون ورث المدلون بهم وإن حجب بعضهم بعضًا أجرى الحكم كذلك في ذوي الأرحام، وقال أهل القرابة ذوو الأرحام يقدم منهم المنتمون إلى الميت وهم أولاد البنات وأولاد بنات الابن ثم المنتمي إليهم الميت وهم الأجداد والجدات الساقطون، ثم المنتمون إلى أبوي الميت وهم أولاد الأخوات وبنات الإخوة، ثم المنتمون إلى أجداده وجداته وهم العمومة والخؤولة فما دام يوجد أحد من فروع الميت وإن سفل فلا شيء لأصوله من ذوي الأرحام وإن قربوا، وعن أبي حنيفة رواية بتقديم النوع الثاني على الأول وقدم أبو يوسف ومحمد النوع الثالث على الثاني، وعند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تقديم الخال على جميع ذوي الأرحام، وفي الباقي مذهبه مذهب أهل التنزيل والله أعلم. " فصل " وجعل رسول الله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها، رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي الصحيحين من حديث الملاعنة " وكان ابنها ينسب إلى أمه فجرت السنة أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها " وقال ﷺ: " من ادعى ولدًا من غير رشده فلا يرث ولا يورث " رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس. وللترمذي معناه من حديث عمرو بن شعيب الذي عن أبيه عن جده. ومعنى لا يرث ولا يورث أي من أبيه لما رواه أبو داود أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن كل مستلحق ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة وقد نقل الإجماع على ذلك ولما تقدم في ولد الملاعنة. فصل: فمن لم يخلف وارثًا لا ذا فرض ولا ذا تعصيب ولا ذا رحم فميراثه لبيت مال المسلمين، واختلف فيه هل هو إرث أو مصرف الأظهر من قوله ﷺ: " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو صدر حديث عمرو بن معد يكرب المتقدم أنه إرث والله أعلم. اه. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين آمين. 15/8/1365 بقلم جامعها حافظ بن أحمد الحكمي

رسالة التوابع والزوابع المؤلف ابن شهيد




رسالة التوابع والزوابع المؤلف ابن شهيد  
 
 ويكي بيانات. تنزيل بصيغة المدخل ← الفهرست 
 المدخل 
 الفصل الأول - توابع الشعراء الفصل الثاني - توابع الكتاب الفصل الثالث - نقاد الجن الفصل الرابع - حيوان الجن ======== =======
  رسالة التوابع والزوابع المؤلف ابن شهيد الأندلسي المدخل الفصل الأول ← لله أبا بكر ظنٌّ رميته فأصميتَ، وحَدسٌ أملته فما أشويت أبدَيتَ بهما وجه الجليّة، وكشفت إن غُرَّةِ الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذي تكسّبته ورأيته قد أخذ بأطراف السّماء، فألف بين قمريها، ونظم فرقديها، فكلما رأى ثغراً سدَّه بسُهاها، أو لمَح خرقاً رمَّه بزُباناها، إلى غير ذلك. فقلت: كيف أوني الحُكم صبياً، وهز بجدعِ نخلة الكلام فاساقط عليه رُطباً؛ أما إن به شيطاناً يهديه، وشيصباناَ يأتيه وأقسم أنَّ له تابعة تُنجدُه، وزابعة تؤيدّه، ليس هذا في قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قُلتها، أبا بكرٍ، فأصِخ أسمعك العجب العُجاب: كنت أيّام كُتاب الهجاء، أحِنُّ إلى الأدباء، وأصبُو إلى تأليف الكلام؛ فاتبعتُ الدَّواوين، وجلستُ إلى الأساتيذ، فنبض لي عِرقُ الفهم، ودرَّ لي شريانٌ العلم، بموادَّ روحانية، وقليلُ الالتماح من النظر يزيدني، ويَسييرُ المطالعةِ من الكتب يُفيدُني، إذ صادف شنٌّ العلم طبقة. ولم أكُن كالثلجِ تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحملُ أسفاراً. فطعنت ثُغرة البيان دراكاً، وأعلقتُ رجل طيره أشراكاً، فانثالث لي العجائب، وانهالت عليَّ الرغائب. وكان لي أوائِل صبوتي هوى اشتدَّ به كلفي، ثم لحقني بعد مَلَلٌ في أثناء ذلك المَيل. فاتفق أن مات من كنتُ أهواه مدَّة ذلك المَلَل، فجَزِعتُ وأخذتُ في رثائه يوماً في الحائرِ، وقد أُبهمت علي أبوابُه، وانفردتُ فقلت: تولى الحِمامُ بظبيِ الخُدُورِ، وفازَ الرَّدى بالغزالِ الغريرِ إلى أن انتهيتُ إلى الاعتذارِ من المَلَل الذي كان، فقلت: وكنتُ مَلِتُكَ لا عن قِلىً، ولا عن فسادٍ جرى في ضميري فأُرتجَ عليَّ القولُ وأُفحمتُ،فإذا أنا بفارسٍ ببابِ المجلِس على فرسٍ أدهم كما بَقَل وجهُه، قد اتكأ على رُمحه، وصاح بي: أعجزاً يا فتى الإنس؟ قلتُ: لا وأبيك، للكلامِ أحيان، وهذا شأنُ الإنسان! قال لي: قُل بعده: كمِثلِ مَلالِ الفتى للنعيم، إذا دامَ فيه، وحالِ السُّرورِ فأثبتُّ إجازته، وقلت له: بأبي أنت! من أنت؟ قال: أنا زُهيرُ ابن نُمير من أشجعِ الجنِ. فقلتُ: وما الذي حداكَ إلى التصوُّرِ لي؟ فقال: هوى فيك، ورغبةٌ في اصطفائك. قلت: أهلاً بك أيها الوجهُ الوضاح، صادفن قلباً إليك مقلوباً، وهوى نحوك مجنوباً. وتحادثنا حيناً ثم قال: متى شِئتَ استِحضاري فأنشد هذه الأبيات: والي زُهيرَ الحُبَّ، يا عز، إنه إذا ذكرته الذَّاكراتُ أتاها إذا جرتِ الأفواهُ يوماً يذكرها يُخيَّلُ لي أني أقبَّلُ فاها فأغشى ديار الذَّاكرين، وإن نأتُ أجارعُ مِنْ داري، هوى لهواها وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني. وكنتُ، أبا بكرٍ، متى أُرتِجَ عليَّ، أو انقطع بي مسلك، أو خانني أُسلوبٌ أنشدُ الأبيات فيمثَّل لي صاحبي، فأسيرُ إلى ما أرغب، وأدركُ بقريحتي ما أطلُب. وتأكدت صًحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتابُ لذكرتُ أكثرها، لكني ذاكرٌ بعضها. ====================== شيطان امرئ القيس تذاكرتُ يوماً مع زُهير بن نُميرٍ أخبار الخُطباء والشعُّراء، وما كان يألفُهُم من التوابع والزوابع، وقلتُ: هل حيلةٌ في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا. وطار عني ثم انصرف كلمحٍ بالبَصَر، وقد أُذن له، فقال: حُلَّ على متن الجَوادِ. فصرنا عليه؛ وسار بنا كالطائر يجتابُ الجوَّ فالجوَّ، ويقطعُ الدَّوَّ فالدَّوَّ، حتى التمحتُ أرضاً لا كأرضنا، وشارفتُ جواً لا كجوّنا، متفرع الشجر، عطر الزَّهر؛ فقال لي: حللتَ أرض الجن أبا عامر، فبمن تُريدُ أن نبدأ؟ قلتُ: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشواق. قال: فمن تُريدُ منهم؟ قلت: صاحب امرئ القيس. فأما العنان إلى وادٍ من الأدوية ذي دَوحٍ تتكسرُ أشجارُه، وتترنمُ أطياره، فصاح: يا عُتيبةُ بن نوفل، بسقط اللّوى فحومل، ويمِ دارةِ جُلجُل، إلاَّ ما عرضتَ علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرَّفتنا كيف إجازتُك له! فظهر لنا فارسٌ على فرسٍ شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زُهير، وحيّا صاحبك أهذا فتاهُم؟ قلتُ: هو هذا، وأيُّ جمرةٍ يا عتُيبة! فقال لي: أنشد؛ فقلتُ: السيدُ أولى بالإنشاد. فتطامح طرفُه، واهتزَّ عطفه، وقبض عنانَ الشقراء وضربها بالسّوط، فسمت تُحضر طُولاً عنّا، وكرَّ فاستقبلنا بالصَّعدةِ هازاً لها، ثم ركزها وجعل يُنشد: سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا حتى أكمَلها ثم قال: لي: أنشِد؛ فهمتُ بالحيصة، ثم اشتدَّت قُوى نفسي وأنشدت: شَجَتْهُ مَعانٍ من سُليمى وأدْؤرُ حتى انتهيتُ فيها إلى قول: ومِن قُبّةٍ لا يُدركُ الطَّرفُ رأسها تَزِلُّ بها ريحُ الصَّبا فتحدَّرُ تكلّفتُها والليلُ قد جاش بحرهُ، وقد جعلت أمواجهُ تتكسرُ ومن تحت حضني أبيضٌ ذو سفاسقٍ، وفي الكفّ من عسّالةِ الخطّ أسمرُ هُما صاحباي من لدُن كنتُ يافعاً مُقِيلانِ من جدّ الفتى حين يعثُرُ فذا جدولٌ في الغمدِ تُسقى به المنى وذا غُصُنٌ في الكفّ يُجنى فيثُمرُ فلما انتهيتُ تأملني عُتيبةُ ثم قال: اذهب أجزتُك. وغاب عنّا. شيطان طرفة فقال لي زُهير: من تُريدُ بعدُ؟ قلتُ: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عُتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضةٍ شجرُها شجران: سامٌ يفوحُ بهاراً، وشحرٌ يعبق هندياً وعاراً. فرأينا عيناً معينةً تسيل، ويدُورُ ماؤها فلكياً ولا يحُل. فصاح به زهير: يا عنترُ بن العجلان، حلَّ بك زهيرٌ وصاحبه، فبخَولة، وما قطعت معها من ليلة، إلاَّ ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكبٌ جميلُ الوجه، قد توشح السّيف، واشتمل عليه كساء خزّ، وبيده خطّيّ، فقال: مرحباً بكُما! واستنشدني فقلتُ: الزعيمُ أولى بالإنشاد؛ فأنشد: لِسُعدى بِحِزَّانِ الشُّريف طُلُول حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة: أمِن رسمِ دارٍ بالعقيقِ مُحِيلِ حتى انتهيتُ إلى قولي: ولما هبطنا الغيثَ تُذعرُ وحشُهُ على كل خوَّار العنان أسيلِ وثارت بناتُ الأعوجيّاتِ بالضُّحى أبابِيلَ، من أعطافِ غير وبيلِ مُسوَّمةً نعتدُّها من خِيارها، لِطردِ قنيصٍ، أو لطردِ رعيلِ إذا ما تغنّى الصَّحبُ فوق متونِها ضُحيناً، أجابت تحتهم بصهيلِ تدُوسُ بها أبكارَ نورٍ كأنّه رِداءُ عرُوسٍ أوذنتُ بحليل رَمينا بها عُرضَ الصُّوارِ فأقعصت أغنَّ قتلناهُ بغيرِ قتيلِ وبادَرَ أصحابي النُّزولَ، فأقبلت كراديسُ من غض الشِّواء نشيلِ نُمسِّحُ بالحوذانِ مِنهُ، إذا ما اقتنصنا منه غير قليلِ فقُلنا لسلقِيها: أدرها سُلافةً شمولاً، ومِن عينيك صِرفَ شمولِ فقالم بكأسيه مُكيعاً لأمرِنا، يميلُ به الإدلالُ كلَّ مَميلِ وشَعشَعَ راحيه، فما زال مائلاً برأسِ كريمِ منهُمُ وتليلِ إلى أن ثناهُم راكدينَ، لما احتسوا، خليعينَ من بطش وفضل عُقولِ نشاوى على الزَّهراء، صرعى كأنهم أساكينُ قصرٍ، أو جُذُوعُ نخيلِ فصاحَ عنترٌ: لله أنت! اذهب مُجازٌ. وغاب عنّا. ثم مِلنا عنه. شيطان قيس بن الخطيم فقال لي زهير: إلى من تتُوقُ نفسُك بعدُ من الجاهليّين؟ قلت: كفاني من رأيتُ؛ اصرِف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حيناً، ويشتدُّ في إثرِنا فارسٌ كأنه الأسد، على فرسٍ كأنها العُقاب، وهو في عدوه ذلك يُنشد: طعنتُ ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ،.......لها نفذٌ، لولا الشعاعُ، أضاءهـا فاستربتُ منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطّارِ صاحبُ قيسِ ابن الخطيم. فاستبى لُبيّ من إنشاده البيت، وازددتُ خوفاً لُجرأته، وأنّنا لم نُعرَّج عليه. فصرف إليه زهيرٌ وجه الأدم، وقال: حيّاك اللهُ أبا الخطّار! فقال: أهكذا يُحادُ عن أبي الخطار، ولا يُخطرُ عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأُقسم أنك إن لم تُجد ليكوننَّ يوم شر. فأنشدتُه قولي من قصيدة: منازلهم تبكي إليكَ عَفاءها ومنها: خليليَّ عُوجا، باركَ الله فيكُما، بدارتِها الأولى نُحيِّ فناءها! فلم أرَ أسراباً كأسرابها الدُّمى، ولا ذئب مثل قد رعى، ثمَّ شاءها ولا كضلالٍ كان أهدى لصبوتي، ليالي يهديني الغرامُ خِباءها وما هاجَ هذا الشوقَ إلاَّ حمائِمٌ، بكيتُ لها لمّا سمعتُ بُكاءها عجِبتُ لنفسي كيف مُلكها الهوى، وكيف استَفَزَّ الغانِياتُ إباءها؟ ولو أنني أنحتْ عليَّ أكارمٌ؛ ترضَّيتُ بالعرضِ الكريمِ جزاءها ولكنَّ جُرذان الثُّغورِ رمينني، فأكرمتُ نفسي أن تُريق دماءها إليك أبا مروان ألقيتُ رابياً بحاجة نفسِ ما حُربتُ خزاءها هززتُكَ في نَصري ضُحىً فكأنّني هززتُ، وقد جئتُ الجبال، حراءها نقضتُ عُرى عزم الزَّمانِ، وإن عَتا، بعزمةِ نفسٍ لا أريدُ بقاءها فلما انتهيتُ تبسمَّ وقال: لنعمَ ما تخلّصتَ! اذهب فقد أجزتُك. ناصرالبدرى ثمَّ انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرةٍ غيناء يتفجرُ من أصلِها عينٌ كمقلةٍ حَواء. فصاح زُهير: يا عتابُ بن حبناء، حلَّ بك زُهير وصاحبهُ، فبعمروٍ والقمر الكّالِع، وبالرُّقعةِ المفكوكةِ الطّابع، إلاَّ ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجهِ فتىً كفِلقةِ القمر، ثم اشتقَّ الهواء صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا فقال: حيّاك الله يا زهير، وحيّا صاحبك! فقلتُ: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب؟ قال: حيائي من التّحسُّنِ باسمِ الشِّعرِ وأنا لا أُحسنُه. فصحتُ: ويلي منه؛ كلامُ مُحدثٍ ورب الكعبة! واستنشدني فلم أُنشده إجلالاً له، ثم أنشدتُه: أبكيتَ، إذ طَعَنَ الفريقُ، فِراقَها حتى انتهيتُ فيها إلى قولي: إنّ امرُؤٌ لعب الزَّمانُ بهمّتي، وسُقيتُ من كأس الخُطوبِ دهاقها وكبوتُ طِرفاً في العُلى، فاستضكتْ حُمُرُ الأنامِ، فما تريمُ نُهاقها وإذا ارتمت نحوي المُنى لأنالها، وقف الزَّمانُ لها هُناك فعاقها وإذا أبو يحيى تأخَّرُ نفسهُ، فمتى أُؤمّلُ في الزَّمان لحاقها؟ فلما انتهيتُ قال: أنشدني من رثائك. فأنشدتُه: أعينَا امرأَ نَزَحَتْ عينُهُ، ولا تَعجَبا مِن جُفُونٍ جمادىِ إذا القلبُ أحرقهُ بثُّهُ، فإنَّ المدامِعَ تِلوُ الفُؤادِ يودُّ الفتى مَنهلاً خالياً، وسعدُ المَنيةِ في كل وادِ ويصرفُ للكونِ ما في يديهِ، وما الكونُ إلاَّ نذيرُ الفسادِ لقد عثرَ الدَّهرُ بالسابقينَ، ولم يُعجِزِ الموت ركضُ الجَوادِ لعمرُكَ ما ردَّ ريبَ الرّدى أرِيبٌ، ولا جاهدٌ باجتِهادِ سِهامُ المَنايا تُصِيبُ الفتى، ولَوْ ضَرَبُوا دُونه بالسِّدادِ أصَبنَ، على بطشِهِم، جُرهُماً، وأصمينَ، في دارهم، قومَ عادِ وأقصعنَ كلباً على عِزِّهِ، فما اعتزَّ بالصَّافِناتِ الجِيادِ إلى أن انتهيتُ فيها إلى قولي: ولكنّني خانَني مَعشري، ورُدتُ يَفاعاَ وبيلَ المَرادِ وهل ضرب السيفُ من غيرِ كفٍ؟ وهل ثبتَ الرَّأسُ في غيرِ هادِ؟ فقال: زِدني من رثائك وتحريضك، فأنشدتُه: أفي كلّ عامٍ مصـرعٌ لـعـظـيمِ؟ أصابَ المَنايا حـادثـي وقـديمـي هوى قمراً قيس بن عـيلانَ آنـفـاً، وأوحشَ مِن كلبٍ مـكـانُ زعِـيم فكيف لِقائي الحادِثاتِ إذا سـطـتْ، وقد فُلَّ سيفي منهُـمُ وعَـزيمـي؟ وكيف اهتدائي في الخطُوب إذا دجت وقد فقدت عيناي ضـوءَ نُـجُـومِ؟ مضى السَّلفُ الوضَّـاحُ إلا بـقـيةً، ومنها: رَمَيتُ بها الآفاقَ عنّـي غـريبةً، نتيجةَ خفاقِ الضُّـلـوعِ كـظـيمِ لأُبدي إلى أهل الحجى مِن بواطني، وأُدلي بعُدرٍ في ظـواهـر لُـومِ أنا السّيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضاربٍ، صرومٌ إذا صادفتُ كفَّ صـرُومِ سعيتُ بأحرارِ الرّجالِ، فخانـنـي رجالٌ، ولم أُنجَدْ بِـجِـدِّ عـظـيمِ وضيعني الأملاكُ بـدءاً وعـودةً، فضعتُ بدارٍ مـنـهُـمُ وحَـريمِ فقال: إن كنتَ ولا بُدَّ قائلاً، فإذا دعتك نفسكُ إلى القولِ فلا تكُدَّ قريحتك، فإذا أكملتَ فجمامُ ثلاثة لا أقلَّ. ونقّحْ بعدَ ذلك، وتذكّرْ قوله: وجَشَّمَني خوفُ ابنِ عَفّانَ رَدَّها، فثقفتُها حولاً كريتاً ومربَـعـا وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ، فلم أرَ إلاَّ أن أُطيعَ وأسمَـعـا وما أنتَ إلاَّ مُحسِنٌ على إساءةِ زمانكَ. فقبلتُ على رأسه، وغاصَ في العَين. صاحب البحتري ثم قال لي زُهير: من تُريد بعده؟ قلتُ: صاحب أبي نُواس؛ قال: هو بدَيرِ حنّة منذُ أشهر، قد علبت عليه الخمر، ودّيرُ حنّة في ذلك الجَبل. وعرضه عليَّ، فإذا بيننا وبينه فراسخ. فركضنا ساعةً وجُزنا في ركضِنا بقصرٍ عظيمٍ قُدَّامه ناوردٌ يتطاردُ فيه فُرسان، فقُلتُ: لمَن هذا القصرُ يا زُهير؟ قال: لطوقِ بن مالك؛ وأبُو الطَّبعِ صاحبُ البُحتُريّ في ذلك النَّاورد، فهل لكَ في أن تراه؟ قلتُ: ألفُ أجلْ، إنه لمن أساتيذي،، وقد كُنتُ أُنسِيتُه. فصاح: يا أبا الطَّبعِ! فخرج فتىً على فرسٍ أشعل، وبيده قناة، فقال له زُهير: إنك مؤتمُّنا؛ فقال: لا، صاحُبك أشمخُ مارِناً من ذلك، لولا أنه ينقصُه. قلتُ: أبا الطَّبعِ على رِسلِك، إنَّ الرّجالَ لا تُكالُ بالقُفزان. أنشدنا من شعرك. فأنشد: ما على الرَّكبِ من وُقوفِ الرَّكابِ حتى أكملها، ثم قال: هاتِ إن كنتَ قُلتَ شيئاً. فأنشدتُه: هذِهِ دارُ زينَبٍ والرَّبابِ حتى انتهيتُ فيها إلى قولي: وارتكَضنا حتى مضى الليلُ يَسعى، وأتى الصبحُ قاطـعَ الأسـبـابِ فكأنّ النجوم فـي الـلـيل جـيشٌ دخلوا للكُمُون في جـوف غـابِ وكأن الصبـاح قـانـصُ طـير قبضتْ كفّـه بـرجْـلِ غُـرابِ وفُتوٍّ سَرَوا وقد عـكـف الـلـي ل وأرخى مُغْـدَودِن الأطـنـابِ وكأنّ النجـومَ لـمّـا هـدَتـهُـم أشرقَت لـلـعـيون مـن آدابِ يتَـقَـرَّوْن جَـوزَ كـلّ فَــلاةٍ، جُنْح ليلٍ، جَوزاؤه من ركـابـي عَنَّ ذِكري لمُدلِحيهم، فـتـاهـوا من حديثي في عُرض أمرٍ عُجابِ همّةٌ في السماء تـسـحـب ذيلاً، من ذيول العُلـى، وَجَـدٌّ كـابِ ولو أن الـدنـيا كـرينةُ نَـجـرٍ، لم تكن طُعمةً لفَرْس الـكِـلابِ جيفةٌ أنتـنـتْ فـطـار إلـيهـا، ومنها: من شُهيدٍ في سرّها، ثم من أش جَعَ في السرّ من لُباب اللبابِ خُطباءُ الأنام، إن عَنَّ خَطْـبٌ، وأعاريبُ في مُتـون عِـرابِ حتى أكملتُها. فكأنما غشّى وجهَ أبي الطبع قطعةٌ من الليل. وكرّ راجعاً إلى ناوَرْدِه دون أن يُسلّم. فصاح به زهير: أأجَزْتَه؟ قال: أجَزْتُه، لا بورِك فيك من زائر، ولا في صاحبك أبي عامر! صاحب أبي نواس فضربَ زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قَنَنه، وسِرنا حتى انتهينا إلى أصل جَبل دير حَنّة، فشقّ سَمعي قرْع النواقيس، فصِحْتُ: من منازل أبي نواس، وربِّ الكعبة العَلياء! وسِرنا نجتاب أدياراً وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى ديرٍ عظيمٍ تَعبق روائحه، وتَصوكُ نوافِحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلامٌ على أهل دير حَنّة! فقلتُ لزهير: أوَهل صِرنا بذات الأُكَيراج؟ قال: نعم. وأقبلتْ نحونا الرَّهابين، مُشدّدة بالزنانير، قد قبضتْ على العَكاكيز، بِيضَ الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مُكثِرين للتسبيح، عليهم هَدْيُ المسيح. فقالوا: أهلاً بكَ يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر! ما بُغيتُك؟ قال: حسين الدِّنان. قالوا: إنه لفي شُرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نُراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاؤوا بنا إلى بيتٍ قد اصطفّت دِنانه، وعكفتْ غِزلانُه، وفي فُرجته شيخٌ طويل الوجه والسَّبَلة، قد افترش أضغاث زَهر، واتّكأ على زِقّ خمر، وبيده طَرْجهارة، وحواليه صِبيةٌ كأظْبٍ تَعطو إلى عَرارة. فصاح به زهير: حيّاك الله أبا اٌلإحسان! فجاوب بجوابٍ لا يُعقل لغَلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرعْ أُذُن نشوته بإحدى خَمريّاتك، فإنه ربما تنبّه لبعض ذلك. فصِحْتُ أُنشد من كلمةٍ لي طويلة: ولـرُبَّ حـانٍ قـد أدرتُ بـديره خَمْر الصِّبا مُزجَتْ بصَفْو خُمورهِ في فِتيةٍ جعلوا الزِّقاق تِكـاءَهـم، مُتصاغِرين تخشُّعـاً لـكـبـيرهِ والى عليَّ بطَرْفـه وبـكـفّـه، فأمال مِنْ رأسي لِعَبِّ كـبـيرهِ وترنَّم الناقوس عند صَـلاتـهـم، ففتحْتُ من عيني لرجع هَـديرهِ يُهدي إلينا الراحَ كلُّ مُعصفَـري، كالخِشف خَفَّره التِماحُ خَـفـيرهِ فصاح من حبائل نشوته: أأشجعيّ؟ قلتُ: أنا ذاك! فاستدعى ماء قرّاحاً، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إليَّ من حال. فأدركتْني مَهابته، وأخذتُ في إجلاله لمكانه من العِلم والشعر. فقال لي: أنشِد، أو حتى أُنشدَك؟ فقلت: إنّ ذلك لأشدّ لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمُحسنٍ إحسانٌ. فأنشد: يا دير حَـنّة مـن ذات الأكَـيراح، من يَصحُ عنكَ فأني لستُ بالصاحي يَعتادُهُ كلُّ مَحـفـوفٍ مَـفـارقُـهُ من الدهان، عليه سَحْقُ أمـسـاحِ لا يدلِـفـون إلـى مـاءٍ بـآنـيةٍ، إلاّ اغتِرافاً من الغُدران بـالـراحِ فكدتُ والله أخرج من جِلدي طَرباً، ثم أنشد: وأنشد أيضاً: لمَنْ دِمنٌ تـزداد طـيبَ نـسـيمِ، على طول ما أقْوَتْ، وحُسنَ رُسومِ تجافى البِلى عنهمّ حتى كـأنـمـا لبِسنَ، من الإقواء، ثـوبَ نـعـيمِ واستمرّ فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشِد. فقلتُ: وهل أبقيتَ للإنشاد موضعاً؟ قال: لا بُدّ لكَ، وأوعِثْ بي ولا تُنجِدْ. فأنشدته: أصباحٌ شِـيمَ أمْ بـرقٌ بَـدا، أم سَنا المحبوبِ أوْرى أزْنُدا هَبَّ منْ مرقده منـكَـسِـراً، مسبِلاً للكُمّ، مُـرْخٍ لـلـرِّدا يمسح النَّعسةَ من عيني رشاً، صائدٍ فـي كـل يومٍ أسـدا قلتُ: هَبْ لي يا حبيبي قُبـلةً، تَشْفِ من عمّك تَبريح الصَّدى فانْثنى يهتزُّ من مـنـكـبـه، قائلاً: لا! ثمّ أعطانـي الـيَدا كلّما كلّمـنـي قـبّـلْـتُـهُ، فهْوَ إمـا قـال قـولاً ردّدا كان أن يرجع، من لثْمي لـه وارتِشافي الثغرَ منـه، أدردا قال لي يلعب: خُذْ لي طائراً، فتَراني الدهرَ أجري بالكُدى وإذا استنجزْتُ يوماً وعْـده، قال لي يَمطُلُ: ذكّرني غَـدا شربَت أعطافُه خمر الصِّبـا، وسَقاه الحُسن حتى عَرْبَـدا وإذا بِتُّ بـه، فـي روضةٍ، أغيداً يَعرو نَـبـاتـاً أغـيَدا قام في الليل بجـيدٍ أتْـلـعٍ، ينقُضُ اللمّة مِنْ دَمْع النـدى رَشَأٌ، بل غادةٌ مـمـكـورةٌ، عمّمتْ صُبحاً بلـيلٍ أسـودا أحَحَتْ مِن عَضَّتي في نهْدها، ثمّ عضّت حُرّ وجهي عَمَـدا فأنا المجروحُ مِنْ عضّتهـا، لا شَفاني الله منـهـا أبَـدا! فلمّا انتهيتُ قال: لله أنت! وإنْ كان طبُعك مخترَعاً منك؟ ثم قال لي: أنشِدني من رِثائك شيئاً؟ فأنشدتُه من قولي في بُنيّةٍ صغيرة: أيها المعتَدُّ في أهل النُّهى، ولا تَذُبْ، إثر فقيدٍ، ولها حتى انتهيتُ إلى قولي: وإذا الأُسْدُ حَمَتْ أغـيالـهـا، لم يَضُرَّ الخيس صرعاتُ المَها وغريبٌ يا ابنَ أقمار الـعُـلا، أن يُراع البدرُ من فقدِ السُّهـا فلما انتهيتُ قال لي: أنشِدني من رثائك أشدّ من هذا وأفصَح. فأنشدتُهُ من رثائي في ابن ذَكْوان. ثم قال: أنشِدني جَحْدريّتَك من السجن؛ فأنشدته: قريبٌ بمُحْتَبلّ الهَوان بعيدِ حتى انتهيتُ فيها إلى قولي: فإنْ طال ذكْري بالمُجون فإنـنـي شقيٌّ بمنظوم الـكـلام سَـعـيدُ وهل كنتُ في العشّاق أوّل عاشقٍ، هَوَتْ بحِجـاه أعـينٌ وخـدود؟ فمّن مبلغُ الفتيان أني بـعـدهـم مقيمٌ بدار الظـالـمـين طَـريدُ ولستُ بـذي قـيدٍ يرقُّ، وإنـمـا على اللحظ من سُخط الإمام قيودُ فبكى لها طويلاً. ثم قال: أنشدْني قطعةً من مجونك، فقد بعُد عهدي بمثلك. فأنشدته: وناظرةٍ تحت طـيّ الـقـنـاع، دعاها إلى الـلـه والـخـير داعِ سَعَت بابنها تـبـغـي مـنـزلاً، لوصل التَّبَـتُّـل، والانـقـطـاع فجاءتْ تهادى كمـثـل الـرَّؤوم، تُراعي غزالاً بـأعـلـى يَفـاعِ أتتنا تبخْـتَـرُ فـي مـشـيهـا، فحلّت بوادٍ كـثـيرِ الـسِّـبـاعِ وريعَتْ حِذاراً على طـفـلـهـا، فنـاديتُ: يا هـذه لا تُـراعـي! فولّت وللمِـسـك مـن ذيلـهـا، على الأرض، خطٌّ كطهر الشُّجاعِ فلما سمع هذا البيت قام يرقُص به ويردّده، ثم أفاق، ثم قال: هذا والله شيء لن نُلهمه نحن، ثم استدناني فدنوتُ منه فقبّل بين عينيَّ، وقال: اذهب فإنك مُجاز. فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل. صاحب أبي الطيب فقال لي زهير: ومنْ تريد بعد؟ قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيّب؛ فقال: اشدُد له حَيازيمك، وعطّر له تسمك، وانثُر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهيرٌ يتأمّل آثار فرسٍ لمحناها هناك؟ فقلت له: ما تتبَّعك لهذه الآثار؟ قال: هي آثار فرس حارثة بن المغلَّس صاحب أبي الطيب، وقصدي هو صاحب قَنص. فلم يزل يتقرّاها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرسٍ بيضاء كأنه قضيبٌ على كثيب، وبيده قناةٌ قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامةٌ حمراء قد أرخى لها عَذَبَةً صفراء. فحيّاه زهير، فأحسن الردّ ناظراً من مقلةٍ شَوساء، قد مُلئت تيهاً وعُجباً. فعرّفه زهيرٌ قصدي، وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول؛ قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفْرة غير قاطعة. قال: فأنشدني؛ وأكبرتُه أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أوّلها: أبرقٌ بدا أمْ لمع أبيضَ قاصِلِ حتى انتهيت إلى قولي: ترددَ فيها البرقُ حتى حسبـتُـهُ يشير إلى نجمٍ الرُّبى بالأنـامـلِ ربىً نسجت أيدي الغَمام للُبسهـا غلائلَ صُفراً، فوق بيضِ غلائلِ سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماً طوالع للراعين، غـير أوافـلِ وقد فغرتْ فاها بها كلّ زهـرةٍ، إلى كل ضَرعٍ للغَمامة حافـلِ ومرّت جيوش المُزن رَهواً، كأنهـا عساكر زَنْجٍ مذهَباتُ المنـاصِـلِ وحلّقتِ الخضراء في غُرّ شُهبهـا، كلُجّة بحرٍ كُلّلـتْ بـالـيعـالـلِ تخال بها زُهر الكواكب نرجِـسـاً، على شطّ وادٍ للـمـجَـرّة سـائلِ وتلمحُ من جَوزائها في غُروبـهـا نساقُطَ عرشٍ واهنِ الدعـم مـائلِ وتحسب صقراً واقعاً دَبَـرانـهـا، بعُشّ الثريا فوق حمر الحواصـلِ وبَدرَ الدجى فيها غديراً، وحـولـه نجومٌ كطلعات الحمام الـنـواهـلِ كأن الدجى همّي، ودمعي نجومـه، تحدّر إشفـاقـاً لـدهـر الأراذلِ هوتْ أنجم العلـياء إلاّ أقـلّـهـا، وغِبنَ بما يحظى به كـل عـاقـلِ وأصبحتُ في خلفٍ إذا ما لمحتُهـم تبيّنتُ أن الجهل إحدى الفـضـائلِ وما طاب في هذي البـريّة أخـرٌ، إذا هو لم يُنجـدْ بـطِـيب الأوائلِ أرى حُمُراً فوق الصواهـلِ جـمّةً، فأبكي بعَيْني ذُبلّ تلك الصـواهـلِ ورُبّتَ كُتّـابٍ إذا قـيبـل: زوِّروا، بكتْ من تأنّيهم صُدورُ الـرسـائلِ وناقل فِقْهٍ لم يرَ الـلـه قـلـبـه، يظنّ بأن الدين حِفظُ الـمـسـائلِ وحاملِ رمحٍ راحَ، فوق مَـضـائه، به كاعباً في الحيّ ذات مـغـازلِ حُبُّوا بالمُنى دوني، وغودِرتُ دونهم أرودُ الأماني في رياض الأباطـلِ وما هـي إلا هـمةٌ أشـجـعـيّةٌ، ونفْسٌ أبتْ لي من طِلاب الـرذائلِ وفهمٍ لو البِرجيسُ جـئتُ بـجـدّه، إذاً لتلقّاني بنحْـسِ الـمـقـاتِـلِ ولمّا طَما بحر البَيان بفـطـرتـي، وأغرقَ قرْن الشمس بعض جداولي رحلتُ إلى خير الورى كـلّ حـرّةٍ من المدح، لم تَخمُلْ بِرَعي الخمائلِ وكدتُ لفضلِ القول أبلُغُ ساكـتـاً، وإنْ ساء حُسّادي مدى كـلّ قـائلِ فلما انتهيتُ قال: أنشدني أشدّ من هذا. فأنشدتُه قصيدتي: هاتيكَ دارُهُمُ فقِفْ بمَعانِها فلما انتهيتُ، قال لزهير: إن امتدّ به طلق العُمُر، فلا بدّ أن بنفث بدُرر، وما أُراه إلا سيُحتضَر، بين قريحةٍ كالجمر، وهمّةٍ تضع أخمصه على مفرِقِ البدر. فقلت: أهلاَّ وضعتُه على صَلعة النسر? فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتُك بهذه النُّكتة. فقبّلتُ على رأسه وانصرفنا. =================== فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: ملْ بي إلى الخُطباء، فقد قضيتُ وَطَراً من الشعراء. فركضنا حيناً طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارساً أسرّ إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جُمعتْ لك خُطباء الجنّ بمَرْج دُهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كُفيتُ العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفَرْق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن. وانتهينا إلى المَرْج فإذا بنادٍ عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فُرسان الكلام. فردّوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالةِ مجلسهم، والكل منهم ناظرٌ إلى شيخٍ أصلع، جاحظ العين اليُمنى، على رأسه قلَنسوةٌ بيضاء طويلة. فقلت سرّاً لزهير: من ذلك؟ قال: عُتْبةُ بن أرقم صاحب الجاحظ، وكُنيتُه أبو عُيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرّفه صَغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائكٌ للكلام مُجيد، لولا أنك مُغْزىً بالسجع، فكلامك نظمٌ لا نثر. فقلتُ في نفسي: قرعَكَ، بالله، بقارعته، وجاءك بمُماثَلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزّك الله، منّي جَهلاً بأمر السجع، وما في المماثَلة والمقابلة من فضْل، ولكني عدمتُ فرسان الكلام، ودُهيتُ بغباوة أهل الزمان، وبالحَرا أن أحرِّكهم بالازدواج. ولو فرشتُ للكلام فيهم طَولقاً، وتحركت لهم حركة مَشُوْلم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم. فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبَر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لِحاء الشجر، وليش ثمّ ثمرٌ ولا عَبَق. قال لي: صدقتَ، إني أراك قد ماثلْتَ معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفَراهيدي إليه طريق، ولا للبَيان عليه سمة. إنما هي لُكنةٌ أعجميةٌ يُؤدّون بها المعاني تأدية المَجوس والنَّبَط. فصاح: إنا لله، ذهبت العربُ وكلامُها! ارمهم يا هذا بسَجع الكُهّان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويُطير لك ذِكراً فيهم. وما أُراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كَريهَ المجيء إليهم. |فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمتُ أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقِبةٌ إلى ما يكون منه: لا يَغُرَّنْك منه، أبا عُيينة، ما تكلّف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمّعك كُلْفة. ولو امتدّ به طَلَقُ الكلام، وجرت أفراسه في مَيْدان البَيان، لصلى كَودَنُه وكل بُرثُنُه. وما أُراه إلاّ من اللُّكْن الذين ذّكَر، وإلاّ فما للفصاحة لا تهدِر، ولا للأعْرابية لا تومِض؟ فقلتُ في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقُه، وربِّ الكعبة! فقلت له: لقد عجِلْتَ، أبا هُبيرة، - وقد كان زهيرٌ عرّفني بكُنيته - إنّ قوسَكَ لنبع، وإن سهمك لسُمّ، أحِماراً رميتَ أن إنساناً، وقعقعةً طلبْتَ أم بَياناً؟ وأبيك، إن البَيان لصعْب، وإنك منه لفي عباءةٍ تتكشّف عنها أسْتاه معانيك، تكشُّف اسْتِ العَنْز عم ذنبها. الزمان دفءٌ لا قُرّ، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليَربوع بكفّيك، وألمح من كُشى الضبّ على ماضِغيك. فتبسّم إليّ وقال: أهكذا أنت يا أُطَيلِسْ، تركَب لكلٍّ نهجه، وتعجّ إليه عجّه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإنّ التيْس ما علمْت! فصاح به أبو عُيينة: لا تعرِض له، وبالحَرا أن تخْلُص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافيةٌ لو كان له جِحْر. فبَسَطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأتُ رسالتي في صفة البَرْد والنار والحطب فاستحسناها. رسالة الحلواء ومن رسالتي في الحَلواء حيث أقول: خرجتُ في لمّةٍ من الأصحاب، وثُبَةٍ من الأتراب، فيهم فقيهٌ ذو لَقْم، ولم أعرَّفْ به، وغَريم بطنٍ، ولم أشعر له، رأى الحَلواء فاستخفّه الشره، واضطرب به الولَه، فدار قس ثيابه، وأسال من لُعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غَمار الناس، ونظر إلى الفالوذَج فقال: بأبي هذا اللمْص، انظروه كأنه الفصّ؛ مُجاجةُ الزنابير، أُجريَتْ على شوابير، وخالطها لُباب الحبّة، فجاءت أعذبَ من ريق الأحبّة. ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرَّخيص، هذا جليدُ سماء الرَّحمة، تمخضت به فأبرزت منه زُبدَ النَّعمة، يُجرحُ باللّحظ، ويذوبُ من اللّفظ. ثم ابيضَّ، قالوا بماء البيض البضّ، قال غضٌّ من غَضّ، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرةُ الرَّقيب! ولمح القُبيطاء، فصاح: بأبي نُقرةُ الفضّة البيضاء، لا تَرُدُّ عن العَضَّة. أبنارٍ طُبخت أم بِنُور؟ فإني أراها كقطع البدُّور؛ وبلوزٍ عُجنت أم بِجَوز؟ فإني أراها عين عجينٍ الموز. وموشى إليها وقد عدَّل صاحبُها بدرهمين، وانتهشها بالنّابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هِية! ويلٌ للمرء من فيه! ورأى الزَّلابِية، فقال: ويلٌ لأمها الزانية، أبأحشائي نُسِجَتْ، أم من صِفاقِ قلبي أُلفت؟ فإني أجدُ مكانها من نفسي مكيناً، وحبل هواها على كبدي متيناً، فمن أين وصلت كفُّ طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلُبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسانُ الميزان، فأجفل يصيحُ: الثُّعبان الثُّعبان! ورُفع له تمرُ النَّشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلاّ السُّحار، وما جزاؤكم إلاَّ السيفُ والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القُرفُصا، يُذري الدُّموع، ويُبدي الخُشُوع. وما منّا أحد إلاّ عن الضَّحك قد تجلّد. فرقت له ضُلوعي، وعلمتُ أنَّ فيه غيرُ مُضيعي. وقد تجمل الصَّدقةُ على ذوي وفر، وفي كل ذي كبدٍ رطبةٍ أجر. فأمرتُ الغلام بابتِياع أرطالٍ منها تجمعُ أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضُروبها التي أضرعته، وجاء بها وسِرنا إلى مكانٍ خالٍ طيّب، كوصف المُهلَّبي: خانٌ تطيبُ لِباغِي النُّسكِ خلوتُهُ وفيه سترٌ على الفُتّاكِ إن فتكوا فصَّبها رطبة الوُقوع، كراديس كقطعِ الجُذوع؛ فجعل يقطعُ ويبلغُ، ويدحُوا فاه ويَدفع، وعيناه تبصَّان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خُصيتان، وأنا أقولُ له: على رسلك أبا فلان! البطنةُ تُذهبُ الفطنة! فلما التقم جُملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريحٌ عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذَر، وفرَّقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظَّريان، وصدَّق الخبر فيه العيانُ: نفح ذلك فشرَّد الأنعام، ونفخ هذا فبدَّد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسّلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إنَّ لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحةِ سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تُجازى في أبناء جنسك، ولا يُملُّ من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدُّهم عليك؟ |قلت: جارانِ دارُهما صَقَب، وثالثٌ نابته نُوَب، فامتطى ظهر النَّوى، وألقت به في سرقُسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تُشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ |قلت: أجل قالا: فأين بلغتَ فيهم؟ قلت: أما أبو محمدٍ فانتضى عليَّ لسانه عند المستعين، وساعدته زراقةٌ استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدتُه شعراً، منه: وبُلِّـغـتُ تـجـيشُ صُـدورُهـم عليَّ؛ وإني منهم فارغُ الـصَّـدرِ أصاخُوا إلى قولي فأسمعت مُعجزاً، وغاصوا على سري فأعياهم أمري فقال فريقٌ: ليس ذا الشعرُ شعـره؛ وقال فريقٌ: أيمُنُ اللهِ، مـا نـدري أما علمُوا أني إلى العلم طـامـحٌ، وأني الذي سبقاً على عرقه يجري؟ وما كلُّ من قاد الجياد يسُوسُـهـا؛ ولا كلُّ من أجرى يُقال له: مُجري فمن شاء فليخبر فإنـي حـاضـرٌ، ولا شيء أجلى للشُّكُوكِ من الخُبرِ وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعةٌ تؤيدُه. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانُه من نفسي مكين، وحُبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حاملٌ عليَّ، ومنتسب إليَّ. صاحب الإفليلي فصاحا: يا أنفَ النّاقة بن معمر، مِن سُكانِ خيبر! فقام إليهما جنيٌّ أشمط ربعةٌ وارمُ الأنف، يتظالعُ في مشيته، كاسراً لطرفِه، وزاوياً لأنفه، وهو ينشد: قومٌ همُ الأنف والأذنابُ غيرُهُم، ومن يُسوي بأنفِ الناقة الذَّنبا؟ فقالا لي: هذا صاحبُ أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة؟ قال: فتًى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العُصية! إن لم تُعربي عن ذاتك، وتُظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسانِ الكلامِ، لم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضاً لكل حجرٍ عابر. وأخذتُ للكلام أهبته، ولبستُ للبيان بزتهُ، فقلتُ: وأنا أيضاً لا أعرف على من قرأت. قال: ألمثلي يُقال هذا؟ فقلت: فكان ماذا؟ قال: فطارحني كتاب الخليل. قلتُ: هو عندي في زنبيل. قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلتُ: خريت الهرَّةُ عندي عليه، وعلى شرح ابن درستويه. فقال لي: دع عنك، أبا أبو البيان. قلت: لاه اللهُ! إنّما كمُغن وسط، لا يُحسنُ فيُطرب، ولا يُسيء فيلهي. قال: لقد علّمنيه المؤدِّبُون. قلتُ: ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: "الرَّحمنُ عَلَّمَ القُرآنَ خلقَ الإنسانَ عَلّمَهُ البَيان". ليس من شعرٍ يُفسَّر، ولا أرضٍ تُكسَّر. هيهات، حتى يكون المسكُ من أنفاسك، والعنبرُ من أنفاسك، وحتى يكون مساقُكَ عذباً، وكلامُك رطباً، ونفسُك من نَفسك، وقليبُك من قلبِك، وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيعَ فتضعه، والقبيح فتحسنه! قال: أسمعني مثالاً. قلتُ: حتى تصف بُرغُوثاً فتقول: صفة برغوث أسودُ زنجي، وأهيٌّ وحشي؛ ليس بوانٍ ولا زُميل، وكأنه جُزء لا يتجزأ من ليل؛ أو شُونيزة، أوثقتها غريزة؛ أو نقطةُ مِداد، أو سويداءُ قلبِ قُراد؛ شُربه عب، ومشيه وثب؛ يكمنُ نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعنٍ مؤلم، ويستحلُّ دم كل كافرٍ ومُسلم؛ مُساورٌ للأساورة، يجُرُّ ذيله على الجبابر يتكفر بأرفع الثياب، ويهتكُ ستر كل حِجاب، ولا يحفل ببوَّاب؛ مناهل العيش العذبة، ويصلُ إلى الأحراج الرَّطبة، لا يمنعُ منه أمير، ولا ينفعُ فيه غيرةُ غيور، وهو أحقر كل حقير؛ شرُّه مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كلُّ بُرغُوث، كفى نقصاً للإنسان، ودلالةً على قُدرةِ الرَّحمَن. صفة ثعلب وحتى تصف ثعلباً فتقول: أدهى من عمرو، وأفتكُ من قاتل حُذيفة ابن بدر؛ كثيرُ الوقائع في المسلمين، مُغرى بإراقة دماء المؤذنين؛ إذا رأى الفُرصة انتهزها، وإذا طلبته الكُماةُ أعجزها؛ وهو مع ذلك يُقراطُ في إدامه، وجالينوسُ في اعتدال طعامه، غداؤه حمامٌ أو دجاج، عشاؤه تدرُج أو دُرَّاج. صاحب بديع الزمان وكان فيما يقابلُني من ناديهم متًى قد رماني بطرفه، واتّكأ لي على كفّه، فقال: تحيُّلٌ على الكلام لطيفٌ، وأبيك! فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أوما علمت أنَّ الواصف إذا وصف لم يتقدَّم إلى صفته، ولا سُلط الكلامُ على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واحجتزى بيسير البيان؟ لأنه لم يتقدم وصفٌ بُقرنُ بوصفه، ولا جرى مساقٌ يُضاف إلى مساقه. وهذه نسكتةٌ بغذاذية، أنى لك بها يا فتى المغرب؟ فقلتُ لزُهير: من هذا؟ قال: زبدةُ الحقب، صاحب بديع الزمان. فقلتُ: يا زبدة الحقب، اقترح لي قال: صف جاريةً. فوصفتُها. قال: أحسنت ما شئت أن تُحسن! قلتُ: أسمعني وصفك للماء. قال: ذلك من العُقم. قلت: بحياتي هاته. قال: أزرق كعين السنّور، صافٍ كقضيب البلور؛ انتُخب من الفُرات واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة. فقلتُ: انظره، يا سيدي، كأنه عصيرُ صباح، أو ذوبُ قمرٍ لياح؛ ينضبُّ من إنائه، انصباب الكوكب من سمائه؛ العين حانُوته، والفمُ عفريتُه، كأنه خيطٌ من غزلٍ فُلق، أو مخصرٌ يُضربُ به من ورق يُرفعُ عنك فتردى، ويُصدع به قلبك فتحيا. فلمّا انتهيت في الصفة، ضرب زُبدةُ الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهُوت، وتد هدى إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره. فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتدَّ غيظُ أنفٍ النّاقةِ عليَّ. رجع إلى أنف الناقة فقال: وقعت لك أوصافٌ في شعرك تظنُّ أني لا أستطيعُها؟ فقلتُ له: وحتى تصف عارضاً فتقول: ومُرتجزٍ ألقى بذي الأثـل كـلـكـلاً وحطَّ بجرعاء الأبـارقِ مـا حـطـا وسعى في قيادِ الرِّيحِ يُسمحُ للصَّـبـا، فألقت على غيرٍ التِّلاعِ بـه مِـرطـا وما زال يُروي حتى كسـا الـرُّبـى درانك، والغيطان من نسجه بُسـطـا وعنت له ريحٌ تُـسـاقـطُ قـطـرهُ كما نثرت حسناءُ من جيدها سمـطـا ولـم أر دُراً بـدَّدتـه بـدُ الـصَّـبـا سواهُ، فبات النَّورُ يلقُطُـه لـقـطـا وبتنا نُراعي الليل لـم نـطـوِ بُـرده، ولم يجر شيبُ الصُّبح في فرعه وخطا تراه كملك الزَّنجِ في فـرط كـبـرهِ، إذا رام مشياً في تبـخـتُـره أبـطـا مُطلاً على الآفاقِ والـبـدرُ تـاجُـهُ، وقد علق الجوزاء من أذنه قُـرطـا وحتى تصف ذئباً فتقول: إذا اجتاز عُلويُّ الرّياحِ بأُفـقـه أجدَّ، لعرفانِ الصَّبا، يتنـفـس تذكرَ روضاً من شوي وباقـرٍ، تولته أحراسٌ من الذُّعر تُحرس إذا انتابها من أذؤُبِ القفرِ طارقٌ حثيث، إذا استشعر اللحظ يهمسُ أزلُّ كسا جُثمانه مُـتـسـتـراً طيالس سوُداً للدُّجى وهو أطلسُ فدلَّ عليهِ لحظُ خبٍ مُـخـادعٍ، فصاح فتيانُ الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبةٌ، وظهرت عليه مَهابةٌ، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذٍ بوادٍ في خطابه، رحمهُ لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر. صاحب أبي إسحاق بن حمام وشمَّر لي فتًى، كان إلى جانبه، عن ساعدٍ، وقال لي: وهل يضُرُّ قريحتك، أو ينقُص من بديهتك لو تجافيت لأنف الناقة، وصبرت له؟ فإنه على علاَّته زيرُ علم، وزنبيلُ فهم، وكنفُ رواية. فقلت لزهير: من هذا؟ فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حُمامٍ جارل. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانةِ الكُتاب، رفقاً على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يُضُرُّ أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يُفلُّ شفرة فهمه، أن يصبر لي على زلةٍ تمرُّ في شعرٍ أو خُطبة، فلا يهتفُ بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذةً من طراميذه؟ فقال: إنَّ الشيُوخَ قد تهفو أحلامهم في النَّدرة. فقلت: إنها المرَّةُ بعد المرَّة. ثم قال لي الأستاذان عُتبةُ بن أرقم، وأبو هُبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبطُ منك ببيداء حيرة، وتُفتقُ أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقولُ: شاعرٌ أم خطيب؟ فقلتُ: الإنصاف أولى، والصَّدعُ بالحق أحجى ولا بُدَّ من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعرٌ خطيب. وانفضَّ الجمع والأبصارُ إليَّ ناظرة، والأعناق نحوي مائلة. ==================================== مجلس أدب وحضرتُ أنا أيضاً وزهيرٌ مجلساً من مجالسِ الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراْ من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر. فأنشد قول الأفوه بعضُ من حضر: وترى الطّيرَ على آثارنا رأي عينٍ ثقةً أن ستُمار وأنشد آخر قول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهـم عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصـائب تراهنَّ خلف القوم خُزراً عُيونها جُلوسَ الشيوخِ في ثيابِ المرانبِ جوانِحَ، قد أيقـنَّ أنَّ قـبـيلـهُ، إذا ما التقى الجيشانِ، أوَّلُ غالبِ وأنشد آخرُ قول أبي نُواس: تتأيَا الطّيرُ غـدوتـهُ ثِقةً بالشِّبعِ من جزره وأنشد آخرُ قول صريع الغواني: قد عوَّد الطّير عاداتٍ وثقنَ بها فهُنَّ يتبعنهُ في كل مُرتـحـلِ وأنشد آخرُ قول أبي تمام: وقد ظُلّلَتْ عِقبانُ أعلامهِ ضُحًى بِعِقبانِ طيرٍ في الدِّماء نواهـلِ أقامت مع الرَّاياتِ حتى كأنّهـا من الجيشِ، إلاَّ أنها لم تقابـلِ فقال شمردلُ السَّحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى ودلَّ على أنَّ الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل أن يكون ضدَّ ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى. وإنما المحسنُ المتخلّص المتنبي حيثُ يقول: لهُ عسكـراً خـيلٍ إذا رمـي بها عسكراً لم تبق إلاَّ جماجمه وكان بالحضرةِ فتىً حسنُ البزَّة، فاحتدَّ لقول شمردل، فقال: الأمرُ على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطيرُ إذا شبعت أيُّ القبيلين الغالب؟ وأما الطيرُ الآخر فلا أدري لأي معنًى عافت الطيرُ الجماجم دونَ عظام السُّوق والأذرُع والفقارات والعصاعص؟ ولكنَّ الذي خلّص هذا المعنى كلّه، وزاد فيه، وأحس التركيب، ودلَّ بلفظةٍ واحدةٍ على ما دلَّ عليه شعرُ النابغة وبيتُ المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطيرُ أعداءُ الممدوح، فاتكُ بنُ الصَّقعب في قوله: وتدري سباعُ الطيرِ أنَّ كُماتـهُ، إذا لقيت صيدَ الكُماةِ، سـبـاعُ لهُنَّ لُعابٌ في الهواء وهـزَّةٌ، إذا جدَّ بين الدَّرعـين قـراعُ تطيرُ جياعاً فوقـهُ وتـردُّهـا ظُباهُ إلى الأوكار وهي شبـاعُ تملك بالإحسانِ ربقةَ رِقـهـا، فهُنَّ رقيقٌ يُشـتـرى ويُبـاعُ وألحمَ من أفراجها فهي طوعهُ، لدى كل حربٍ، والمُلوكُ تُطاعُ تُماصعُ جرحاها فيُجهزُ نقرها عليهم، وللطّير العتاقِ مِصـاعُ فاهتزَّ المجلسُ لقوله، وعلموا صدقه. فقلتُ لزهير: من فاتك بن الصَّقعب؟ قال: يعني نفسه. قلت له: فهلاَّ عرَّفتني شأنه منذ حين؟ إني لأرى نزعاتٍ كريمة؟ وقمتُ فجلست إليه جِلسة المعظِّم له. فاستدار نحوي، مُكرماً لمكاني، فقلت: جُد أرضنا، أعزَّك الله، بسحابك، وأمطرنا بعيونِ آدابك. قال: سل عما شئت. قلتُ: أيُّ معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرُك، فوجدته حين رُمته صعباً إلا عليك أنك نفذت فيه؟ قال: معنى قول الكندي: سموتُ إليها بعدما نام أهلها، سموَّ حباب حالاً على حالِ قلتُ: أعزَّكَ الله، هو من العُقم. ألا ترى عُمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدُّنُوَّ منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله: ونفضتُ عني النّوم أقبلتُ مشيةَ ال حُبابِ، ورُكني خيفةَ القومِ أزورُ قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يُلطف التَّوصُّل، فجاء مُقبلاً بُركت كركنه أزور. فأعجبني ذلك منه، وما زلتُ مقدِّماً لهذا المعنى رجلاً، ومؤخرِّاً عنه أُخرى، حتى مررتُ بشيخٍ يُعلمُ بنياً له صناعة الشّعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنًى قد سبقك إليه غيرُك فأحسن تركيبه، وأرقَّ حاشيته فاضرب عنه جُملة. وإن لم يكن بُدّ ففي غير العروض التي تقدَّم إليها ذلك المحسنُ، لتنشط طبيعتُك طبيعتُك، وتقوى مُنَّتُك. فتذكرتُ قول الشاعر وقد كنتُ أنسيته: لما تسامى النّجمُ في أفقهِ ولاحت الجوزاءُ والمِرزمُ أقبلتُ والوطء خفيفٌ كما ينسابُ من مكمنه الأرقمُ فعلمتُ أنه صدق؛ وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص. فقلتُ أنا في ذلك: ولما تمَّلأ مـن سًـكـرهِ فنام، ونامت عيونُ العسس دوتُ إليه، على بُـعـده، دُنُوَّ رفيقٍ ما الـتـمـس أدبٌّ إليه دبيب الـكـرى، وأسمو إليه سموَّ النفـس وبتُّ به ليلتي نـاعـمـاً، إلى أن تبسمَّ ثغرُ الغلـس أقبلُ منه بياض الـطُّـلا، وأرشيفُ منه سواد اللَّعس فقمتُ وقبلتُ على رأسه، وقلت: لله درُّ أبيك! فقال لي فاتكُ بن الصَّقعب: فهل جاذبتَ أنتَ أحداً من الفحول؟ قلتُ: نعم قول أبي الطّيب: أأخلعُ عن كتفـي وأطـلـبـهُ، وأتركُ الغيث في غمدي وأنتجعُ؟ قال لي: بماذا قلتُ: بقولي: ومن قُبةٍ لا يدركُ الطَّرفُ رأسهـا، تزلُّ بها ريحُ الصَّـبـا فـتـحـدَّرُ إذا زاخمت منها المخارم صـوَّبـت هُوياً، على بُعد المدى، وهي تجـأرُ تكلفتُها، والليلُ قد جـاش بـحـرُه، وقد جعلت أمواجهُ تـتـكـسـرُ، ومن تحت حضني أبيضٌ ذو سفاقس، وفي الكف من عسالة الخط أسمـرُ هما صاحباي من لدّن كُنتُ يافـعـاً، مُقيلانِ من جدّ الفتى حين يعـثـرُ فذا جدولٌ في الغمد تُسقى به المُنى، فقال: والله لئن كان الغيثُ أبلغ، فلقد زدت زيادة مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غيرُ هذا؟ فقلتُ: وقوله أيضاً: وأظمأ فلا أُبدي إلى الماء حاجةٌ وللشمسِ فوق اليعملاتِ لُعابُ قال: بماذا؟ قلتُ: بقولي: ولـــم أنـــس بـــالـــنّـــاوُوس الأُلــــــى بهـا أينُـنـا مـحـبُـوبـهــا وحـــبـــابُـــهـــا وفـتـية ضـربٍ مـــن زنـــاتة، مـــمـــطـــرٍ بوبـل الـمـنـايا طـعـنـهـــا وضـــرابُـــهـــا وقـفـنـا عـلـى جـمـرٍ مـن الــمـــوت وقـــفةً، صلـيُّ لــظـــاه دابُ قـــومـــي ودابُـــهـــا فصاح صيحةً منكرةً من صياح الجنِّ كاد ينخب لها فؤادي فزعاً، والله، منه! وكان بنجوةٍ منا جنيٌّ كأنه هضبة لركتنته وتقبضه، يحدِّق في دُونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذُ بطرفي عنه، وأستعيذُ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيتُ، وقد استخفهُ الحسد: على من أخذت الزَّمير؟ قلتُ: وإنما أنا نفاخٌ عندك منذ اليوم؟ قال: أجل! أعطنا كلاماً يرعى تلاعَ الفصحاحة، ويستحمُّ بماء العُذوبة والبراعة، شديد الأسر جيد النّظام، وضعه على أي معنًى شئت. قلت: كأي كلام؟ قال: ككلام أبي الطّيب: نزلنا على الأكوارِ نمشي كرامةً لمن بان عنه، أن نُلمَّ به ركبا نذمُّ السحاب الغُرَّ في فعلها به، ونُعرضُ عنها، كلما طلعت، عتبا وكقوله: أرأيتَ أكبر همةً من ناقتي، حملت يداً سُرحاً وخفقاً مُجمرا تركت دُخان الرِّمث في أوطانها، طلما لقوم يوقدون العنبرا وتكرَّمن رُكباتُها عن مبركٍ تقعان فيه، وليس مسكاً أذفرا فأتتك دامية الأظل كأنما حُذيت قوائمها العقيق الأحمرا وكقوله: على كل طاوٍ تحت طاوٍ كأنما من الدَّمِ يُسقى أو من اللّحمِ يُطعمُ لها تحتهُم ريُّ الفوارسِ فوقها، فكلُّ حصانٍ دارعٌ مُتلثَّمُ وما ذاك بُخلاً بالنُّفوسِ على القنا، ولكنَّ صدم الشرّ بالشرّ أحزمُ فأدَّني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أيُّ ماء لو كان من جمامك واستهلت به عينُ غمامك! ثم استقدمتُ فأنشدته: ولرُبَّ ليلٍ للهمومِ تهدَّلت أستارُه فحما الصُّوى بستُورهِ كالبحر يضربُ وجههُ في وجههِ، صعبٌ على العُبار وجهُ عُبورهِ طاولته من عزمي بُمضبَّرٍ، أثبتُّ همي في قرارةِ كورهِ وعلىَّ للصَّبر الجميل مُفاضةٌ، تلقى الرَّدى، فتكلُّ دون صبوره وبرتحتي من فكرتي ذو ذُكرةٍ، عُهدت تُذاكرُني بطبعِ ذكيرهِ فزاداً، إذا بعثت دياجي جنحهِ هولاً عليَّ، خبطتُ في ديجُورهِ حتى بدا عبدُ العزيزِ لناظري أملي، فمزَّقت التُّجى عن نُورهِ وأنشدته: الله في أرضِ غذيتَ هواءها، وعصابةٍ لم تتهم إشفاقها نكزتهُمُ أفعى الخُطُوبِ، وعُوجلُوا بُمثَّلٍ منها، فكن درياقها وافتح مغالقها بعزمةِ فيصلٍ، لو حاولت سوق الثُّريا ساقها ولو أنها منه، إذا ما استلها، تتعرضُ الجوزاءُ، حلَّ نطاقها وأنشدتُه: لا تبكينَّ من اللّيالي أنها حرمتك نغبة شاربٍ من مشربِ فأقلُّ ما لك عندها سيفُ الرَّدى، يُستلُّ من شعرِ القذالِ الأشيبِ ورحيلُ عيشك كلَّ رحلةِ سلعة، وفناءُ طيبكَ في الزَّمان الأطيبِ فإذا بكيت فبكِّ عُمرك، إنهُ زجلُ الجناحِ يًمرُّ مرَّ الكوكبِ وأنشدته: ولم أر مثلي ما له من مُعاصرِ، ولا كمضائي ما لهُ من مُضافرِ ولو كان لي في الجو كسرٌ أؤمُّهُ، ركبتُ إليه ظهر فتخاءَ كاسرِ وهمت بإجهاشٍ علَّ، وقد رأت بي في آثار إحدى الكبائر فقلتُ لها: إن تجزعي من مُخاطرٍ، نك لن تحظي بغيرِ المخاطرِ شت ثمار الوفر مني، وإنها لدى كل مُبيضّ العنانيز وافرِ له في بياضِ اليومِ يقظةُ فاجر، وتحت سواد الليل هجعةُ كافرِ رويدك، حتى تنظري عمَّ تنجلي غيابةُ هذا العارضِ المُتناثرِ ودون اعتزامي هضبةٌ كسرويةٌ، من الحزمِ، سلمانيةٌ في المكاسر إذا نحنُ أسندنا إليها، تبلجت مواردُنا عن نيِّراتِ المصادرِ وأنت، ابن حزمٍ، منعشٌ من عثارها إذا ما شرقنا بالجدودِ العوائر وما جرَّ أذيال الغنى نحو بيته كأروع معرورٍ ظهور الجرائرِ إذا ما تبغي نضرة العيش كرَّها، لدى مشرعٍ للموت، لمحة ناظرِ فسلَّ من التأويلٍ فيها مهنداً أخو شافعياتٍ كريمُ العناصرِ لِمُعتزليّ الرَّأي، ناءِ عن الهُدى، بعيد المرامي، مُستمينِ البصائرِ يُطالبُ بالهنديّ في كل فتكةٍ ظُهُور المذاكي عن ظُهورِ المنابرِ وأنشدته: وقالت النفسُ لما أن خلوتُ بها، أشكو إليها الهوى خلواً من النِّعمِ: تامَ أنت على الضرَّاء مُضطجعٌ، مُعرِّسٌ في ديار الظُّلمِ والظُّلمِ؟ وفي السُّرى لك، لو أزمعت مرتحلاً، برءٌ من الشوق، أو برءٌ من العدم ثم استمرَّت بفضل القولِ تُنهضي، فقلتُ: إني لأستحيي بني الحكم المُلحفين رداء الشمس مجدهمُ، والمنعلين الثُّريا أخمص القدمِ ألمتُ بالحُبّ، حتى لو دنا أجلى، لما وجدتُ لطعم الموت من ألم وزادني كرمي عمن ولهتُ به، ويلي من الحبّ، أو ويلي من الكرمِ تخوَّنتني رجالٌ طالما شكرت عهدي، وأثنت بما راعيتُ من ذممِ لئن وردتُ سُهيلاً غبَّ ثالثةٍ، لتقرعنَّ عليَّ من ندم هناك لا تبتغي غير السَّناءِ يدي، ولا تخفُّ إلى غير العُلى قدمي حتى راني في أدني مواكبهم، على النَّعمامة شلاَّلاً من النَّعمِ ريان من زفراتِ الخيلِ أوردُها أمواه نيظة تهوي فيه باللُّجُمِ قُدَّام من قوم وجدتُهمُ أرعى لحقِّ العُلى من سالفِ الأمم {{قصيدة1 ففتح عليَّ عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل: طلعَ البدرُ علينا، فحسبناهُ لبيبا والتقينا، فرأينا هُ بعيداً وقريبا فيا من إذا رام معنى كلامي، رأى نفسهُ نُصبَ تلك المعاني شكوتُ إليك صروف الزَّمانِ، فلم تعدُ أن كنت عون الزَّمان وتقصرُ عن همتي قُدرتي فيا ليتني لسوى من نماني ولا غرو للحُرّ، عند المَضِيُ قِِ، أن يتمنى وضيع الأماني قلت: أخي قال: فمن القائل؟ صدودٌ، وإن كـان الـحـبـيبُ مُـســاعـــفـــاً، وبـعـدٌ، وإن كـان الـــمـــزارُ قـــريبـــاً ومـا فـتـئت تـلـك الــديارُ حـــبـــائبـــاً لنـا، قـبـل أن نـلـقـى بـهـنَّ حــبـــيبـــا ولو أسعفتنا بالمودَّةِ في الهوى، لأدنين إلفاً، أو شغلن رقيبا وما كان يجفو ممرضي، غير أنه |قلت: عمي. قال: فمن القائل؟ أتيناك، لا عن حاجةٍ عرضت لنا إليك، ولا قلبِ إليك مـشـوقِ ولكننا زُرنا بفضل حلـومـنـا حماراً، تلقى برَّنا بـعُـقُـوقِ قلت: جدي. قال: فمن القائل؟ ويلي علـى أحـور تـياه، أحسن ما يلهُوه به الللاهي أقبل في غيدٍ حكين الظِّبـا، بيضِ تـراقِ أفـــواهِ يأمرُ فيهنَّ وينـهـى، ولا يعصينهُ من آمرٍ نـاهـي حتى إذا أمكننـي أمـرهُ، قلت: جدُّ أبي. قال: فمن القائل؟ ويح الكتابة من شيخٍ هبنَّـقةٍ، يلقى العيون برأسٍ مخُّهُ رار ومنتنِ الريحِ إن ناحيته أبـداً كأنما مات في خيشُومه فارُ قلتُ: أنا قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضتُ لك أبداً، إني أراك عريقاً في الكلام. ثم قلَّ واضمحلَّ حتى إنَّ الخنفساء لتدوسُه، فلا يشغل رجليها. فعجبتُ منه، وقلت لزهير: من هذا الجني؟ فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجلٍ فبدرت من قفاه، هذا فرعونُ ابن الجون. فقلتُ: أعوذُ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرَّجيم! فتبسَّم زهيرٌ وقال لي: هو تابعةُ رجُل كبير منكم، ففهمتها عنه. ============================ لغة الحمير ومشيتُ يوماً وزهير بأرض الجن أيضاً نتقرَّى الفوائد ونعتمدُ أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارةٍ غناء، تفنرُّ عن بركة ماء، وفيها عانةٌ من حُمُر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق فهي تصطكُّ بالحوافر، وتنفُخ من المناخر، وقد اشتدَّ ضُراطُها، وعلا شحيجها وهاقها. فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه! فارتعتُ لذلك، فتبسَّم زهيرٌ وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بد أني بالتفدية، وحيتني بالتكنية. فقلت: ما الخطبُ، حُمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك؟ قالت: شعران لحمارٍ وبغل من عشَّاقنا اختلفنا فيها، وقد رضيناك حكماً قلت: حتى أسمع. فقدَّمت إليَّ بغةٌ شهباء، عليها جلُّها وبرقُعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانةُ من سوء العجلة وسُخفِ الحركة، فقالت: أحدُ الشِّعرين لبغلٍ من بغالنا وهو: علــى كـــل صـــب مـــن هـــواهُ دلـــيلُ: سقـامٌ عـلـى حـر الـــجـــوى، ونُـــحُـــولُ وما زال هذا الحبُّ داءً مُبرحاً، إذا ما اعترى بغلاً فليس يزولُ بنفسي التي أما ملاحظُ طرفها فسـحـــرٌ، وأمـــا خـــدُّهـــا فـــأســـيلُ تعـبـتُ بـمـا حُـمـلـتُ مـن ثـقـل حُـبـــهـــا، وإنـي لـبـغـلٌ لـلـــثـــقـــالِ حـــمُـــولُ ومـا نـلـتُ مـنـهـا نـــائلاً غـــير أنـــنـــي إذا هـي بـالـت بُــلـــتُ حـــيثُ تـــبُـــولُ والشِّعر الآخرُ لدُكينٍ الحمار: دُهيتُ بهذا الحب منـذُ هـويثُ، وراثت إراداتي فلـسـتُ أريثُ كّلفتُ بإلفي منذ عشرين حـجةً، يجُولُ هواها في الحشا ويعـيثُ ومالي من برحِ الصَّبابة مخلصٌ، ولا لي من فيضِ السّقامِ مُغيثُ وغير منها قلبها لـي نـمـيمةٌ، نماها أحمُّ الخُصيتـينِ خـبـيثُ وما نلتُ منها نائلاً، غير أنّـنـي إذا هي راثـتُ حـيثُ تـروثُ ففضحك زهيرٌ، وتماسكتُ، وقلتُ للمنشدة: ما هويتُ؟ قالت: هو هويبُ، بلغة الحمير. فقلت: والله، إن للرَّوثِ رائحة كريهةً، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك وأشارت إلى العانة أنَّ دُكيناً مغلوباً؛ ثم انصرفت قانعة راضية. وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثمَّ علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلةُ أبي عيسى، والخالُ على خدها، فتباكينا طويلاً، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقيت منك؟ قلت: ما ترين. قالت: شبَّ عمرٌو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي، أهم على العهد؟ قلتُ: شبَّ الغِلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرتِ الخلاَّن؛ ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفستِ الصُّعداء، وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسُوا أيام الود. بحرمة الأدب، إلاَّ ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر. الإوزة الأدبية وكانت في البركة بقُربنا إوزَّةٌ بيضاء شهلاء، في مثل جُثمانِ النّعامة، كأنما ذُرَّ عليها الكافور، أو لبست غلالةً من دمقس الحرير، لم أر أخفَّ من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صباً، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتُلولبُ قمحدوتها، فترى الحُسن مستعاراً منها، والشكل مأخوذاً عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتُهم بالهور، ورضيتم من حاكمكم بغير الرّضا. فقلتُ لزهير: ما شأنها؟ قال: هي تابعةُ شيخٍ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتُكنى أمَّ خفيف، وهي ذات حظٍ من الأدب، فاستعدَّ لها. فقلتُ: أيتها الإوزةُ الجميلة، العريضةُ الطويلة، أيحسنُ بجمال حدفتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر رأسك، مقابلةُ الضَّيف بمثل هذا الكلام، وتلقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال؟ وأنا الذي همت بالإوزة صبابةً، واحتملت في الكلف بها عضَّ كل مقالة؛ وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتُها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا واستهلك عليها الظُّرفاء منا، ورضيت بدلاً من العصافير، ومُتكلمّات الزرازير، ونُسيت لذَّةُ الحمام، ونقارُ الدُّيوك، ونطاحُ الكباش. فدخلها العُجبُ من كلامي، ثم رفعت وقد اعترتها خفةٌ شديدةٌ في مائها، فمرَّةً سابحة، ومرةً طائرة، تتغمسُ هنا وتخرجُ هناك، قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذُناباها، وهي تُطرب تطريب السرور؛ وهذا الفعل معروفٌ من الإوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عُنقها، وعرَّضت صدرها، وعلمت بمجدافيها، واستقبلتنا جائيةً كصدر المركب، فقالت: أيها الغارُّ المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تُحكمُ الأصول؟ ما الذي تُحسن؟ فقلت: ارتجال شعر، واقتضابٌ خُطبة، على حُكم المقترح والنُّصبة. قالت: ليس عن هذا أسالُك. قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. قالت حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردتُ بذلك إحسان النّحو والغريبِ اللذين هما أصلُ الكلام، ومادَّةُ البيان. قلت: لا جوابَ عندي غير ما سمعت. قالت: أُقسم أنَّ هذا منك غير داخلٍ في باب الجدل. فقلت: وبالجدل تطلُبيننا وقد عقدنا سلمه، وكُفينا حربه، وإنَّ ما رميتكِ به منه لأنفذُ سهامه، وأحدُّ حرابه، وهو من تعاليم الله. عزَّ وجلَّ، عندنا في الجدل في مُحكم تنزيله. قالت: أُقسم أنَّ الله ما علمك الجدل في كتابة قلت: محمول عنك أمَّ خفيف، لا يلزمُ الإوزةَّ حفظُ أدب القرآن، قال الله، عزَّ وجلَّ، في مُحكم كتابه حاكياً عن نبيه إبراهيم، عليه السلام: "ربي الذي يُحيي ويُميتُ، قال: أنا أُحيي وأميت". فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال؛ ولكنَّ النبيَّ، ﷺ، لما لاحت له الواضحةُ القاطعةُ، رماهُ بها، وأضرب عن الكلام الأول، قال: "فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فلهت الذي كفر" وأنا لا أُحسنُ غير ارتجال شعر، واقتضاب خُطبة، على حُكم المُقترح والنُّصبة، فاهتزَّت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمّت بالطيران. ثم اعتراها ما يعتري الإوزَّ من الألفة وحسن الرَّجعة، فقدَّمت عنُقها ورأسها إلينا نمشي نحونا رويداً، وتنطق نطقاً مُتداركاً خفياً، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذلَّلت؛ على أني أحبُّ الإوزَّ وأستظرفُ حركاتِها وما يعرِضُ من سخافاتها. ثم تكلمتُ بها مبسبساً، ولها مؤنساً، حتى خالتتنا وقد عقدنا سلمها وكُفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدبُ أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلتُ: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزَّة، ودعيني من مثلهم في الحُبارى؟ قالت: لا قلت: فتطلبي عقل التَّجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيباً، وبؤتِ منه بحظ، فحينئذٍ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا. تمت الرسالة بحمد لله.

وإنما كتبت هذه النبذة عملاً بحديث النبي ﷺ: « الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الملك الجليل، والشكر له على نعمه المسبغة وفضله الجزيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها من هول اليوم الثقيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي إلى أقوم سبيل، والداعي إلى الله بأوضح حجة وأبين دليل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد

فإني أرى الداء العضال قد عَمَّ ضرره جميع الأنام، واستحكم على البواطن والظواهر أيما استحكام، ولم يزل يزداد ضرره وينتشر ألمه بتعاقب الليالي والأيام، ثم نظرت فإذا سببه الذي تولد منه، هو التظاهر بمعاصي الملك العلام، والتجاهر بما يوجب غضبه من الفسوق والإجرام، ولا حياء ولا مبالاة ولا خشية من شديد البطش والانتقام، ومورثه الذي أعقبه هو سكوت القادرين على تغييره من الولاة ونوابهم من الأمراء والعلماء والحكام، وتقريرهم على ذلك، فلم يغضب أحد لربه يوماً من الأيام، وإني إن شاء الله سأصف لك دواءاً شافياً بحول الله وقوته من جميع الأسقام، مجرباً بحكمة الله للخاص والعام، نافعاً بإذن الله من الأمراض الظاهرة والباطنة، ناجحاً إن شاء الله في الدنيا والآخرة، فأقول وبالله التوفيق: إعلم أن الله سبحانه وتعالى قص علينا في كتابه عن الأمم السالفة والقرون الماضية الذين أسكننا مساكنهم وأورثنا الأرض من بعدهم أنهم إنما أخذهم الله بذنوبهم وجازاهم بما كسبت أيديهم وذاقوا وبال أمرهم لما خالفوا أمره وانتهكوا محارمه وكذبوا بكتابه وبما أرسل به رسله { وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد } إذا عرفنا هذا معرفة تامة علمنا أن ما نزل بنا من البلاء من غلاء و وباء وعدو وغير ذلك لابد له من كسب اكتسبتاه وموجب ارتكبناه لأن الله سبحانه وتعالى يقول: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } وقال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } وقال تعالى: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقال تعالى: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } وقال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } وفي الحديث: { ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة } وأنت إذا نظرت ما حل بالناس اليوم من الشدائد والبلاء والقحط والوباء والجهل والغلاء وطمع الأعداء فيهم وغير ذلك، ثم نظرت إلى أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم ومعاملتهم فيما بينهم ومعاملتهم فيما بينهم وبين ربهم لرأيت أموراً تشمئز منها القلوب السليمة، وتبكي لها عيون الإسلام وتقشعر منها جلد كل من له غيرة على الإسلام ولرأيتهم لم يتركوا موجب سخط إلا ارتكبوه، ولا سبيل هلكة إلا سلكوه، ومع ذلك لا منكر ولا نكير، ولا إنكار ولا تغيير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا عرفنا أننا بسبب أفعالنا ابتلينا، ومن جهة جرائمنا أتينا، وما أصابنا من مصيبة فبما كسبت أيدينا، فاعلم أنه لا سبيل إلى تغيير ذلك، ولا حيلة إلى التخلص مما هنالك، إلا بالمعاونة على البر والتقوى، وبذل النصيحة في السر والنجوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن به قوام الدين بل هو أساسه وأصله، ولم ينج من غضب الله وأليم عقابه عند فشو المعاصي إلا أهله، ولنذكر طرفاً مما يتعلق بذلك من الآيات والأحاديث إن شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق: قال تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } إلى أن قال: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللَّهِ } إلى أن قال: { لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } وقال تعالى: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وقال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } وأخبر سبحانه وتعالى أن سبب لعن بني إسرائيل عصيانهم واعتداؤهم وإقرار بعضهم بعضاً على ذلك فلم يتآمروا بالمعروف ولم يتناهوا عن المنكر، قال تعالى: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه أهلك الفاعل للمنكر والمقر له عليه ولم ينج من عقابه إلا من أنكر ذلك ونهى عنه، وقال تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }. وقال تعالى: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وقال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } وقال تعالى: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } ففي هذه الآية التصريح بأنه لم ينج إلا من نهى وما نهي أحد إلا نجى، وقال تعالى: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ } وقال تعالى في وصية لقمان لابنه: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } وغير ذلك من الآيات، وأما الأحاديث: ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } وفي حديث درة بنت أبي لهب عند أحمد قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أي الناس خيرٌ قال: « خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم » وروى أحمد عن
عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم قال يزيد وأحسبه قال في أسواقهم، وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون - وكان رسول الله متكئاً فجلس وقال - لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا »، وفي رواية أبي داود: « كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا » وفي رواية ابن أبي حاتم: « فلما رأى الله منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون - ثم قال رسول الله ﷺ - والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد المسيء ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض أو ليلعننكم كما لعنهم » وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم » وله عن عدي بن عميرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: « إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه ». والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، وفي هذا القدر الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فيا معشر المسلمين دعاء أنا أول معنى به أترون هذه النصوص خاصة بأحد دون أحد أو متناولة لشخص دون شخص لا والذي قامت السموات والأرض بأمره لهي متناولة لكل فرد من أفراد المكلفين كل بحسبه، وكلما كان المكلف أقدر على تغيير المنكر عن غيره كان تناولها له أو تكليفه بما فيها أشد وأغلظ ممن هو دونه فليعتن الناصح لدينه بهذا الدواء الإلهي فإنه ليس لذلك الداء طب حاسم لمادته سواه..

وإنما كتبت هذه النبذة عملاً بحديث النبي ﷺ: « الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم « وخشية من وعيد { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ } الآية، وقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } ولينتبه الغافل ويزداد المنتبه نشاطاً ومن أعرض عنها فهي من جملة الحجاج عليه في موقف القيامة بين يدي الله عز وجل: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }