تفسير الطبري سورة الكهف وما بعدها

 فهرس تفسير الطبري للسور 18 - تفسير الطبري سورة الكهف  تفسير سورة الكهف بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله عز ذكره : الْحَمْدُ لِلَّ...

الجمعة، 7 نوفمبر 2025

وسئل: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في الكلام الذي تضمنه كتاب " فصوص الحكم " ..

وسئل: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في الكلام الذي تضمنه كتاب " فصوص الحكم "
  وما شاكله من الكلام الظاهر في اعتقاد قائله: أن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق وأن ما ثم غير كمن قال في شعره: أنا وهو واحد ما معنا شيء ومثل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ومثل: إذا كنت ليلى وليلى أنا وكقول من قال: لو عرف الناس الحق ما رأوا عابدا ولا معبودا. وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل ولا في السنة ولا في كلام الخلفاء الراشدين والسلف الصالحين. ويدعي القائل لذلك: أنه يحب الله سبحانه وتعالى والله تعالى يقول: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } والله سبحانه وتعالى ذكر خير خلقه بالعبودية في غير موضع فقال تعالى عن خاتم رسله ﷺ { فأوحى إلى عبده ما أوحى } وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } وقال تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } - الآية. فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده فكيف بمن يعتقد هذا الاعتقاد: تارة في نفسه وتارة في الصور الحسنة: من النسوان والمردان ويقولون: إن هذا الاعتقاد له سر خفي وباطن حق وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق. فهل في هذه الأقوال سر خفي يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها - كما زعم هؤلاء - أم باطنها كظاهرها؟ وهذا الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به أم هو الكفر بعينه؟. وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين ورثة الأنبياء والمرسلين أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين؟ وإن ترك ما أجمع عليه أئمة المسلمين ووافق هؤلاء المذكورين فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين؟. أفتونا مأجورين أثابكم الله الكريم. 
 ***
 /// فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله
 ** بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ما تضمنه كتاب " فصوص الحكم " وما شاكله من الكلام: فإنه كفر باطنا وظاهرا؛ وباطنه أقبح من ظاهره. وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة وأهل الحلول وأهل الاتحاد. وهم يسمون أنفسهم المحققين. وهؤلاء نوعان: نوع يقول بذلك مطلقا كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله: مثل ابن سبعين وابن الفارض. والقونوي والششتري والتلمساني وأمثالهم ممن يقول: إن الوجود واحد ويقولون: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر بل يقولون: الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق. ويقولون: إن وجود الأصنام هو وجود الله وإن عباد الأصنام ما عبدوا شيئا إلا الله. ويقولون: إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص والذم. ويقولون: إن عباد العجل ما عبدوا إلا الله وأن موسى أنكر على هارون لكون هارون أنكر عليهم عبادة العجل وأن موسى كان بزعمهم من العارفين الذين يرون الحق في كل شيء بل يرونه عين كل شيء وأن فرعون كان صادقا في قوله: { أنا ربكم الأعلى } بل هو عين الحق ونحو ذلك مما يقوله صاحب الفصوص. ويقول أعظم محققيهم: إن القرآن كله شرك لأنه فرق بين الرب والعبد؛ وليس التوحيد إلا في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحدا فلم كانت الزوجة حلالا والأم حراما؟ فقال: الكل عندنا واحد ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام، فقلنا حرام عليكم. وكذلك ما في شعر ابن الفارض في قصيدته التي سماها نظم السلوك كقوله: - لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل سجدة وقوله: وما زلت إياها وإياي لم تزل ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت وقوله: إلي رسولا كنت مني مرسلا وذاتي بآياتي علي استدلت فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنها أعظم كفرا وإلحادا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه أعظم كفرا وكذبا وجهلا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام. ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته - كان أعظم كفرا وفسقا كالتلمساني؛ فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب وأخبرهم بحقيقته فأخرجه ذلك إلى الفعل فكان يعظم اليهود والنصارى والمشركين ويستحل المحرمات ويصنف للنصيرية كتبا على مذهبهم يقرهم فيها على عقيدتهم الشركية. وكذلك ابن سبعين كان من أئمة هؤلاء وكان له من الكفر والسحر الذي يسمى السيمياء - والموافقة للنصارى والقرامطة والرافضة: ما يناسب أصوله. فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرا وإلحادا. وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم وتسليما لهم بحسب جهلهم وضلالهم؛ ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال. وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته حال في كل مكان ولكن أهل وحدة الوجود: حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية. وأما النوع الثاني: فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته، والحاكمية الذين يقولون بذلك في الحاكم، والحلاجية الذين يقولون بذلك في الحلاج، واليونسية الذين يقولون بذلك في يونس وأمثال هؤلاء ممن يقول بإلهية بعض البشر وبالحلول والاتحاد فيه ولا يجعل ذلك مطلقا في كل شيء. ومن هؤلاء من يقول بذلك في بعض النسوان والمردان أو بعض الملوك أو غيرهم؛ فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وأما الأولون: فيقولون بالإطلاق. ويقولون: النصارى إنما كفروا بالتخصيص. وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى؛ ولهذا يقولون بالحلول تارة وبالاتحاد أخرى وبالوحدة تارة فإنه مذهب متناقض في نفسه؛ ولهذا يلبسون على من لم يفهمه. فهذا كله كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين. ولكن هؤلاء يشبهون بشيء آخر وهو ما يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر فإنه قد يعرض لأحدهم - لقوة استيلاء الوجد والذكر عليه - من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره فيغيب بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده. ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال له: أنا وقعت؛ فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني. فظننت أنك أني. وينشدون: رق الزجاج وراقت الخمر وتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين وليست حالا لازمة لكل سالك ولا هي أيضا غاية محمودة بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرا كحال نبينا ﷺ وأصحابه أكمل من هذا وأتم. والمعنى الذي يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن وجود السوى. فالأول: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه؛ وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وهو تحقيق " لا إله إلا الله " فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله. والثاني: أن يفنى عن شهود ما سوى الله وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك. وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه المعبود لا إله إلا هو الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرا: كان أتم معرفة وشهودا وإيمانا وتحقيقا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق. لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا كان معذورا للعجز لا محمودا على النقص والجهل. والثالث: الفناء عن وجود السوى؛ وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر. فهؤلاء قولهم أعظم كفرا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام. وأيضا فإن ولاية الله: هي موافقته بالمحبة لما يحب والبغض لما يبغض والرضا بما يرضى والسخط بما يسخط والأمر بما يأمر به والنهي عما ينهى عنه والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: { يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه؛ وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه } فهذا أصح حديث روي في الأولياء. فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله " والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة: - منها قوله: { من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة } فأثبت معاديا محاربا ووليا غير المعادي وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا. ومنها قوله: { وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه } فأثبت عبدا متقربا إلى ربه وربا افترض عليه فرائض. ومنها قوله: { ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه } فأثبت متقربا ومتقربا إليه ومحبا ومحبوبا غيره. وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. ومنها قوله: { فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به } إلى آخره. فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود؛ ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم. وإن جعلوها ثابتة في العدم - كما يقوله ابن عربي - أو جعلوها المعينات والمطلق هو الحق - كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول: المعدوم شيء وقول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات. والأول: قول طائفة من المعتزلة وهو قول ابن عربي. والثاني: قول طائفة من الفلاسفة وهو قول القونوي صاحب ابن عربي وكلا القولين باطلان عند العقلاء ولهذا كان التلمساني أحذق منهما فلم يثبت شيئا وراء الوجود. كما قيل: وما البحر إلا الموج لا شيء ** غيره وإن فرقته كثرة المتعدد لكن هؤلاء الضلال من الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا: وجود المخلوق هو وجود الخالق وهؤلاء الملاحدة قالوا: هذا هو هذا؛ ولهذا صاروا يقولون بالحلول من وجه لكون الوجود في كل الذوات أو بالعكس وبالاتحاد من وجه لاتحادهما؛ وحقيقة قولهم هي وحدة الوجود. وفي الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم. والحديث حق كما أخبر به النبي ﷺ فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله؛ فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه وما يراه مما يحبه الحق أحبه وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه؛ ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته { اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا }. فولي الله فيه من الموافقة لله: ما يتحد به المحبوب والمكروه والمأمور والمنهي ونحو ذلك فيبقى محبوب الحق محبوبه ومكروه الحق مكروهه ومأمور الحق مأموره وولي الحق وليه وعدو الحق عدوه؛ بل المخلوق إذا أحب المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا حتى قد يتألم أحدهما بتألم الآخر ويلتذ بلذته. ولهذا قال ﷺ { مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر } ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين ويسوءه ما يسوءوهم ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم. فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين: ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر ولا حلت فيه بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله وشعب ذلك: مثل محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله. فإذا كان هذا معقولا بين المؤمنين: فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما يحبه ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده: كيف تكون ذات أحدهما هي الأخرى أو حالة فيها؟ فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين الذي هو باطل ومما هو من أحوال أهل الإيمان ومن ولاية الله تعالى وموافقته فيما يحبه ويرضاه وتوابع ذلك: تبين لك جواب مسائل السائل. وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ - كلمات مشتبهة مجملة - فيحملونها على المعاني الفاسدة كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء فيدعون المحكم ويتبعون المتشابهة. فقول القائل: إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق: كفر صريح لا سيما إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق؛ وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأولياءه المتقين فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به؛ فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه. ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط: كان الحق يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم؛ إذ ذلك متلازم من الطرفين. ولا يقال في أفضل هؤلاء: إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق؛ لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } وقال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وقال: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } وقال: { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } وأمثال ذلك. وأما سائر العباد: فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم وخالق قدرتهم وأفعالهم ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه: كان محبا لأهله مكرما لهم وما كان منها مما يسخطه ويكرهه: كان مبغضا لأهله مهينا لهم. وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله ليست صفة له ولا فعلا قائما بذاته. وقوله تعالى { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل المرمي؛ فإن { النبي ﷺ كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه } فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم؛ وكانت قدرة النبي ﷺ عاجزة عن إيصالها إليهم والرمي له مبدأ وهو الحذف ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله: { إذ رميت } ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: { ولكن الله رمى } وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي؛ فإن هذا تناقض. والله تعالى - مع أنه هو خالق أفعال العباد - فإنه لا يصف نفسه بصفة من قامت به تلك الأفعال؛ فلا يسمي نفسه مصليا ولا صائما ولا آكلا ولا شاربا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقول القائل: " ما ثم غير " إذا أراد به ما يريده أهل الوحدة أي ما ثم غير موجود سوى الله: فهذا كفر صريح. ولو لم يكن ثم غير لم يقل: { أغير الله أتخذ وليا } ولم يقل { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } فإنهم كانوا يأمرونه بعبادة الأوثان فلو لم يكن غير الله لم يصح قوله: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ولم يقل: { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } ولم يقل الخليل { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } { أنتم وآباؤكم الأقدمون } { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } ولم يقل: { إنني براء مما تعبدون } { إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } فإن إبراهيم لم يعاد ربه ولم يتبرأ من ربه؛ فإن لم تكن تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون غير الله: لكان إبراهيم قد تبرأ من الله وعادى الله وحاشا إبراهيم من ذلك. وهؤلاء الملاحدة في أول أمرهم ينفون الصفات ويقولون: القرآن هو الله أو غير الله. فإذا قيل لهم: غير الله. قالوا: فغير الله مخلوق. وفي آخر أمرهم يقولون: ما ثم موجود غير الله أو يقولون العالم لا هو الله ولا هو غيره. ويقولون: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فينكرون على أهل السنة إذا أثبتوا الصفات ولم يطلقوا عليها اسم الغير وهم لا يطلقون على المخلوقات اسم الغير وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم فإنهم في ضلال مبين. وأما قول الشاعر في شعره: أنا من أهوى ومن أهوى أنا وقوله: إذا كنت ليلى وليلى أنا فهذا إنما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعي كاتحاد أحد المتحابين بالآخر الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر ويبغض ما يبغض ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ما يفعل وهو تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين إذ كان قد استغرق في محبوبه حتى فني به عن رؤية نفسه كقول الآخر: غبت بك عني فظننت أنك أني. فإما أن يكون غالطا مستغرقا بالفناء أو يكون عنى التماثل والتشابه واتحاد المطلوب والمرهوب لا الاتحاد الذاتي. فإن أراد الاتحاد الذاتي - مع عقله لما يقول - فهو كاذب مفتر مستحق لعقوبة المفترين. وأما قول القائل: لو رأى الناس الحق لما رأوا عابدا ولا معبودا: فهذا من جنس قول الملاحدة الاتحادية الذين لا يفرقون بين الرب والعبد؛ وقد تقدم بيان قول هؤلاء وهؤلاء يجمعون بين الضلال والغي بين شهوات الغي في بطونهم وفروجهم وبين مضلات الفتن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: { إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم } حتى يبلغ الأمر بأحدهم إلى أن يهوى المردان ويزعم أن الرب تعالى تجلى في أحدهم ويقولون: هو الراهب في الصومعة؛ وهذه مظاهر الجمال؛ ويقبل أحدهم الأمرد ويقول: أنت الله. ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين أو أنه خلق السموات والأرض ويقول أحدهم لجليسه: أنت خلقت هذا وأنت هو، وأمثال ذلك. فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطؤها الذي تفترشه؛ وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا. ومن قال: إن لقول هؤلاء سرا خفيا وباطن حق وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق: فهو أحد رجلين - إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال. فالزنديق يجب قتله؛ والجاهل يعرف حقيقة الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله. ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق. وهذا السر هو أشد كفرا وإلحادا من ظاهره؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس. ولهذا تجد كثيرا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها ظانا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإما أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة؛ وإما أن ينكروه إنكارا مجملا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك وهذا حال أكثر الخلق معهم. وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا: هذا من علماء الرسوم وأهل الظاهر وأهل القشر وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة وهذا يحتاج إلى شروط وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه وتجهيل لمن لم يصل إليه. وإن رأوه عارفا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين. وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي. وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام. وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم. فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم شديد. والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا والله أعلم.

مذهب السلف وأئمة الأمصار في كلام الله { مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم عليه السلام}


مذهب السلف وأئمة الأمصار في كلام الله
 
  مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم عليه السلام
 
  وسئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه عن رجلين تجادلا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فقال أحدهما: إنهما قديمة ليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. فقال الآخر ليست بكلام الله وهي مخلوقة بشكلها ونقطها، والقديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، ولكنه كتب بها، وسألا أيهما أصوب قولا وأصح اعتقادا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أصل هذه المسألة هو معرفة كلام الله تعالى ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة، أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقا منفصلا عنه، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته، ليس مخلوقا بائنا عنه، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، لم يقل أحد من سلف الأمة أن كلام الله مخلوق بائن عنه، ولا قال أحد منهم أن القرآن أو التوراة أو الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا قالوا أن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية، بل قالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء، وكلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " والله سبحانه تكلم بالقرآن العربي وبالتوراة العبرية، فالقرآن العربي كلام الله، كما قال تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم - إلى قوله - لسان عربي مبين " فقد بين سبحانه أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله الروح القدس وهو جبريل - وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر - من الله بالحق، وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال: " إنما يعلمه بشر " كما قال بعض المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمي، فقال تعالى: " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي " أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي " وهذا لسان عربي مبين " ففي هذا ما يدل على أن الآيات التي هي لسان عربي مبين نزلها روح القدس من الله بالحق كما قال في الآية الأخرى: " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين " والكتاب الذي أنزل مفصلا هو القرآن العربي باتفاق الناس، وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق، والعلم لا يكون إلا حقا فقال " يعلمون " ولم يقل يقولون، فإن العلم لا يكون إلا حقا بخلاف القول، وذكر علمهم ذكر مستشهدا به، وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله - حجة بعد الرسل " فرق سبحانه بين تكليمه لموسى وبين إيحائه لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر، وقال تعالى: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - إلى قوله - روح القدس ". وقال تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " إلى آخر السورة، فقد بين سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة، إما حيا وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، فجعل الوحي غير التكليم. تكليم الله ومناداته وكون النداء صوتا والكلام حروفا والتكليم من وراء حجاب كان لموسى، وقد أخبر في غير موضع أنه ناداه كما قال: " وناديناه من جانب الطور " الآية. وقال: " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن " الآية، والنداء باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا صوتا مسموعا، فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم، وأهل الكتاب يقولون إن موسى ناداه ربه نداء سمعه بأذنه وناداه بصوت سمعه موسى، والصوت لا يكون إلا كلاما والكلام لا يكون إلا حروفا منظومة، وقال قال تعالى: " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقال: " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " وقال: " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " فقد بين في غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من الله. صفة الله ما قام بنفسه لا ما يخلقه في غيره، والطوائف المتنازعة في كلامه وهذا معنى قول السلف: منه بدأ، قال أحمد ابن حنبل رحمه الله: منه - أي هو المتكلم به، فإن الذين قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه في غيره فبدأ من ذلك المخلوق، فقال السلف: منه بدأ - أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره فيكون كلاما لذلك المحل الذي خلقه فيه، فإن الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات في محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين، فإذا خلق طعما أو لونا في محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتكون به، وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علما أو كليهما في محل كان ذلك المحل هو المريد القادر العالم المتكلم بذلك الكلام، ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ذلك المحل صفة لرب العالمين، وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات، لا بما يخلقه في غيره من المخلوقات، فهو الحي العليم القدير السميع البصير الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام، بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم به لا بما يخلقه في غيره من هذه المعاني، ومن جعل كلامه مخلوقا لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاما إلا لرب العالمين، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقا بل كان ذلك لرب العالمين، وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل أن فلانا يقول لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا ألف، فقالت: لا أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا كفر. فأنكر على من قال إن الحروف مخلوقة، لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقا لزم أن يكون القرآن العربي والتوراة العبرية وغير ذلك مخلوقا وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة، مخالف للأدلة العقلية والسمعية، كما قد بسط في غير هذا الموضع. مذهب الفلاسفة والمتكلمين في كلام الله وفي الخلق والتكوين والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعا كثيرا، والطوائف الكبار نحو ست فرق، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة أن كلام الله إنما هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال، وإما من غيره، وهؤلاء يقولون: إنما كلم الله موسى من سماء عقله أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج، وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية، وأن الله لم يخلقها بمشيئته وقدرته في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء، بل يقولون إن الله لا يعلم الجزئيات، فلما جاءت الأنبياء بما جاؤوا به من الأمور الباهرة جعلوا يتأولون ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه، ويريدون أن يجمعوا بينها وبين أقوال سلفهم الملاحدة، فقالوا مثل ذلك، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، وهم كثيروا التناقض، كقولهم أن الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي الأخرى فيقولون: هو عقل وعاقل ومعقول، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، وقد يعبرون عن ذلك بأنه حي عالم معلوم محب محبوب، ويقولون نفس العلم هو نفس المحبة، وهو نفس القدرة، ونفس العلم هو نفس العالم، ونفس المحبة هي نفس المحبوب، ويقولون إنه علة تامة في الأزل، فيجب أن يقارنها معلولها في الأزل في الزمن وإن كان متقدما عليها بالعلة لا بالزمان، ويقولون إن العلة التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان، فلا يوجد معلول إلا بعلة تامة، ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان، ثم يعترفون بأن حوادث العالم حدثت شيئا بعد شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير للحوادث المتعاقبة، بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث، وكذلك عدمت بعد حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم. نظريات الفرق في القدم بالذات والزمان والحدوث والتسلسل وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره، وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، والحوادث لها ابتداء وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث، ولم يهتد الفريقان للقول الوسط، وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع التأثير ولا متراخيا عنه، كما قال تعالى: " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " فهو سبحانه يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا مع تكوينه في الزمان ولا متراخيا عن تكوينه، كما يكون الانكسار عقب الكسر والانقطاع عقب القطع ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخيا عنه ولا مقارنا له في الزمان. والقائلون بالتراخي ظنوا امتناع حوادث لا تتناهى، فلزمهم أن الرب لا يمكنه فعل ذلك، فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلما بمشيئته، ويمتنع أن يكون لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته، فافترقوا بعد ذلك، منهم من قال كلامه لا يكون إلا حادثا، لأن الكلام لا يكون إلا مقدورا مرادا، وما كان كذلك لا يكون إلا حادثا، وما كان حادثا كان مخلوقا منفصلا عنه لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها في ظنهم. ومنهم من قال: بل كلامه لا يكون إلا قائما به، وما كان قائما به لم يكن متعلقا بمشيئته وإرادته، بل لا يكون إلا قديم العين، لأنه لو كان مقدورا مرادا لكان حادثا فكانت الحوادث تقوم به، ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها. ومنهم من قال: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، لكنه يمتنع أن يكون متكلما في الأزل أو أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته، لأن ذلك يلتزم وجود حوادث لا أول لها، وذلك ممتنع. قالت هذه الطوائف: ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث ولا تسبقها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث، ثم من هؤلاء من ظن أن هذه قضية ضرورية ولم يتفطن لإجمالها. ومنهم من تفطن للفرق بين ما لم يسبق الحوادث المحصورة المحدودة، وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء، أما الأول فهو حادث بالضرورة لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث. وأما جنس الحوادث شيئا بعد شيء تنازع فيه الناس، فقيل أن ذلك ممتنع في الماضي والمستقبل كقول الجهم وأبي الهذيل، فقال الجهم: بفناء الجنة والنار. وقال أبو الهذيل: بفناء حركات أهلهما، وقيل بل هو جائز في المستقبل دون الماضي لأن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل، وهو قول كثير من طوائف النظار. وقيل بل هو جائز في الماضي والمستقبل، وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله لم يزل متكلما إذا شاء، وإن كلمات الله لا نهاية لها وهي قائمة بذاته وهو متكلم بمشيئته وقدرته. وهو أيضا قول أئمة الفلاسفة، لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك ويقولون إنه قديم أزلي، وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير العقلاء، فإنهم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض بل هو خالق كل شيء وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن. وأن القديم الأزلي هو الله تعالى بما هو متصف به من صفات الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه، بل من قال عبدت الله ودعوت الله فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها ويمتنع وجود ذاته بدون صفاتها اللازمة لها. معنى الحدوث وإخبار الرسل بأن الله خلق كل شيء ثم لما تكلم في النبوات من اتبع أرسطو كابن سينا وأمثاله ورأوا ما جاءت به الأنبياء من أخبارهم بأن الله يتكلم وأنه كلم موسى تكليما وأنه خالق كل شيء، أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه، فيقولون: الحدوث نوعان، ذاتي وزماني، ونحن نقول أن الفلك محدث الحدوث الزماني بمعنى أنه معلول وإن كان أزليا لم يزل مع الله، وقالوا: إنه مخلوق بهذا الاعتبار، والكتب الإلهية أخبرت بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون في أيام. تعارض نظريات الفلاسفة وتناقضهم وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شيء وأنه خلق كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال: " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن المفعول المخلوق المصنوع لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده، وإن الفعل لا يكون إلا بإحداث المفعول، وقالوا لهؤلاء قولكم: " إنه مؤثر تام في الأزل " لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء، ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره، فإن أردتم الأول لزم أن لا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة، وإن أردتم الثاني لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقا حادثا كائنا بعد أن لم يكن، وإن كان الرب لم يزل متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء، وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل الصريح، فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء، وإن أردتم الثالث فسد قولكم لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد سبب يوجب الأحداث، وهذا يناقض قولكم، فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثا لشيء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين، وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث حدث بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه. وأيضا فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدا في صريح العقل، وأيضا فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذي لا يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم وهو الذي جعلتموه الممكن الخاص الذي قسيمه الضروري الواجب والضروري الممتنع لا يكون إلا موجودا تارة ومعدوما أخرى، وأن القديم الأزلي لا يكون إلا ضروريا واجبا يمتنع عدمه، وهذا مما اتفق عليه أرسطو وأتباعه حتى ابن سينا، وذكره في كتبه المشهورة كالشفاء وغيره، ثم تناقض فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديما أزليا ولا يزال، وزعم أن الواجب بغيره القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم، وزعم أنه له ماهية غير وجوده، وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير هذا الموضع. نقض نظريات الجهمية والمعتزلة والكلابية في صفة الكلام والقول الثاني للناس في كلام الله تعالى قول من يقول إن الله لم يقم به صفة من الصفات، لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ولا رحمة ولا غضب ولا غير ذلك، بل خلق كلاما في غيره فذلك المخلوق هو كلامه، وهذا قول الجهمية والمعتزلة. وهذا القول أيضا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم، وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة قد بينا فسادها في غير هذا الموضع، وهؤلاء زعموا أنهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج، وهم لا الإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا. والقول الثالث، قول من يقول: إنه يتكلم بغير مشيئته وقدرته بكلام قائم بذاته أزلا وأبدا، وهؤلاء موافقون لمن قبلهم في أصل قولهم، لكن قالوا الرب يقوم به الصفات ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الصفات الاختيارية. وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق موافقوه، فمنهم من قال ذلك الكلام معنى واحد هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وقالوا معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، وقالوا الأمر والنهي والخبر صفات الكلام لا أنواع له، ومن محققيهم من جعل المعنى يعود إلى الخبر والخبر يعود إلى العلم. بطلان قول الكلابية وغيرهم أن الله لا يتكلم بمشيئته وجمهور العقلاء يقولون قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة، وهؤلاء يقولون تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى، فقيل لهم: أفهم كل الكلام أم بعضه؟ إن كان فهمه كله فقد علم علم الله، وإن كان فهم بعضه فقد تبعض، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد، وقيل لهم: لقد فرق الله بين تكليمه لموسى وإيحائه لغيره، وعلى أصلكم لا فرق، وقيل لهم: قد كفر الله من جعل القرآن العربي قول البشر، وقد جعله تارة قول رسول من البشر، وتارة قول رسول من الملائكة، فقال في موضع: " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون " فهذا الرسول محمد ﷺ، وقال في الآية الأخرى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين " فهذا جبريل، فأضافه تارة إلى الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري، والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وكان بعض هؤلاء ادعى أن القرآن العربي أحدثه جبريل أو محمد فقيل لهم: لو أحدثه أحدهما لم يجز إضافته إلى الآخر، وهو سبحانه إضافة إلى كل منهما باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبي، فدل على ذلك على أنه قول رسول بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبي أحدثه من تلقاء نفسه، بل قد كفر من قال إنه قول البشر. والطائفة الأخرى التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته قالت بل الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلا وأبدا لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئا بعد شيء، ولا يفرق هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين الحروف قديمة أزلية، وهذا أيضا مما يقول جمهور العقلاء أنه معلوم الفساد بالضرورة، فإن الحروف المتعاقبة شيئا بعد شيء يمتنع أن يكون كل منها قديما أزليا وإن كان جنسها قديما، لإمكان وجود كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها، وامتناع كون كل منها قديما أزليا، فإن المسبوق بغيره لا يكون أزليا، وقد فرق بعضهم بين وجودها وماهيتها فقال: الترتيب في ماهيتها لا في وجودها، وبطلان هذا القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره، فإن ماهية الكلام هو حروف لا يكون شيئا بعد شيء، والصوت لا يكون إلا شيئا بعد شيء، فامتنع أن يكون وجود الماهية المعينة أزليا متقدما عليها به، مع أن الفرق بينهما بين لو قدر الفرق بينهما، ويلزم من هذين الوجهين أن يكون وجودها أيضا مترتبا متعاقبا. ثم من هؤلاء من يزعم أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات بالقرآن والتوراة والإنجيل أو بعض ذلك، وكان أظهر فسادا مما قبله، فإنه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد. وطائفة خامسة قالت: بل الله يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وغيره لكن لم يكن يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أولها، وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل كما فعله أولئك. ثم جعلوا الفعل والكلام ممكنا مقدورا من غير تجدد شيء، أوجب القدرة والإمكان كما قال أولئك في المفعولات المنفصلة. مذهب السلف في كلام الله القائم بذاته وتكليمه بالعربية وغيرها وأما السلف فقالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء، وإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته ممن يكون الكلام لازما لذاته ليس عليه قدرة ولا له فيه مشيئته، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به من الكلام والعلم والقدرة، وإذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا، فكيف إذا كان ممتنعا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال، ومن أجلها الكلام، فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك، وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي، وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها. فصل في سبب نزاع المتأخرين في الحروف التي في الكلام ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين، وسبب نزاعهم أمران: أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذي يتكلم الله به فيسمع منه، وبين ما إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ، فإن القرآن كلام الله تكلم به بلفظه ومعناه بصوت نفسه، فإذا قرأه القراء قرؤوه بأصوات أنفسهم. فإذا قال القارئ " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم " كان هذا الكلام المسموع منه كلام الله لا كلام نفسه، وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله، فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما قال النبي ﷺ: " زينوا القرآن بأصواتكم " وكان يقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " وكلا الحديثين ثابت، فبين أن الكلام الذي بلغه كلام ربه وبين أن القارئ يقرأه بصوت نفسه، وقال ﷺ: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال أحمد والشافعي وغيرهما: هو تحسينه بالصوت، قال أحمد بن حنبل: يحسنه بصوته، فبين أن القارئ يحسن القرآن بصوته نفسه. والسبب الثاني: أن السلف قالوا كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلما إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليا قديما بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء، فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض. الأقوال في قدم الحروف وخلقها وكلام الله وصفاته فمن قال: إن حروف المعجم كلها مخلوقة وأن الله تعالى مخالفا للمعقول الصريح، والمنقول الصحيح، ومن قال إن نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئا من ذلك قديم فقد خالف أيضا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرا لكل أحد، وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك، ومن قال إن الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين، فقد ابتدع قولا باطلا في الشرع والعقل، ومن قال إن جنس الحروف التي كلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة وأن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقا والحروف المنتظمة منه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب. وإذا قال: إن الله هدى عباده وعلمهم البيان فأنطقهم بها باللغات المختلفة وأنعم عليهم بأن جعلهم ينطقون بالحروف التي هي مباني كتبه وكلامه وأسمائه فهذا قد أصاب، فالإنسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها مخلوق كائن بعد أن لم يكن، والرب تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله غير مخلوق، والعباد إذا قرؤوا كلامه فإن كلامه الذي يقرؤونه هو كلامه لا كلام غيره، وكلامه الذي تكلم به لا يكون مخلوقا وكان ما يقرؤون به كلامه من حركاتهم وأصواتهم مخلوقا، وكذلك ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوبا في المصاحف وكلامه غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به كلامه وغير كلامه مخلوق، وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد كلماته بقوله تعالى: " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذي يكتب به كلمات الله مخلوق والقرآن المكتوب في المصاحف غير مخلوق، وكذلك المكتوب في اللوح المحفوظ وغيره قال تعالى: " بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ " وقال: " كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة ". وقال تعالى: " يتلو صحفنا مطهرة، فيها كتب قيمة " وقال: " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون ". فصل في أن إنزال الحروف على آدم من الإسرائيليات فهذا المتنازعان اللذان تنازعا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فقال أحدهما: إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. وقال الآخر: إنها ليست بكلام وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها وإن القديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل غير مخلوق، ولكنه كتب بها، وسؤالهما أن نبين لهما الصواب وأيهما أصح اعتقادا؟ يقال لهما: يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما في السؤال من الكلام المجمل، فإن كثيرا من نزاع العقلاء لكونهما لا يتصوران مورد النزاع تصورا بينا، وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه في قول آخر غير القولين اللذين قالاهما، وكثير من النزاع قد يكون مبنيا على أصل ضعيف إذا بين فساده ارتفع النزاع. لا يجوز الاعتماد على الإسرائيليات إلا ما ثبت بنص مرفوع متواتر فأول ما في هذا السؤال قولهما: الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فإنه قد ذكر بعضهم أن الله أنزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة، وهذا ذكره ابن قتيبة في المعارف وهو ومثله يوجد في التواريخ كتاريخ ابن جرير الطبري ونحوه، وهذا ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الإسرائيلية ونحوها من أحاديث الأنبياء المتقدمين، مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار، ومالك ابن دينار، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء المتقدمين لا يجوز أن يجعل عمدة في دين المسلمين إلا إذا ثبت ذلك بنقل متواتر، أو أن يكون منقولا عن خاتم المرسلين، وأيضا فهذا النقل قد عارضه نقل آخر وهو أن من خط وخاط إدريس، فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ذلك وأقوى، فقد ذكروا فيه إن إدريس أول من خاط الثياب وخط بالقلم، وعلى هذا فبنو آدم من قبل إدريس لم يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرؤون كتبا. والذي في حديث أبي ذر المعروف عن أبي ذر عن النبي ﷺ: " إن آدم كان نبيا مكلما كلمه الله قبلا " وليس فيه أنه أنزل عليه شيئا مكتوبا، فليس فيه أن الله أنزل على آدم صحيفة ولا كتابا ولا هذا معروف عند أهل الكتاب، فهذا يدل على أن هذا لا أصل له ولو كان هذا معروفا عند أهل الكتاب لكان هذا النقل ليس هو في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ وإنما هو من جنس الأحاديث الإسرائيلية التي لا يجب الإيمان بها، بل ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ". والله سبحانه علم آدم الأسماء كلها وأنطقه بالكلام المنظوم، وأما تعليم حروف مقطعة لا سيما إذا كانت مكتوبة فهو تعليم لا ينفع، ولكم لما أرادوا تعليم المبتدئ بالخط صاروا يعلمونه الحروف المفردة حروف الهجاء، ثم يعلمونه تركيب بعضها إلى بعض فيعلم أبجد هوز، وليس هذا وحده كلاما. ما روي في نزول الحروف على آدم وتفسير "أبجد هوز" إلى آخره كذب باطل فهذا المنقول عن آدم من نزول حروف الهجاء عليه لم يثبت به نقل، ولم يدل عليه عقل، بل الأظهر في كليهما نفيه، وهو من جنس ما يروونه عن النبي ﷺ من تفسير ا ب ت ث، وتفسير أبجد هوز حطي، ويروونه عن المسيح أنه قال لمعلمه في الكتاب، وهذا كله من الأحاديث الواهية بل المكذوبة، ولا يجوز باتفاق أهل العلم بالنقل أن يحتج بشيء من هذه وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في هذا الباب كالشريف المزيدي والشيخ أبي الفرج وابنه عبد الوهاب وغيرهم، وقد يذكر ذلك طائفة من المفسرين والمؤرخين، فهذا كله عند أهل العلم بهذا الباب باطل لا يعتمد عليه في شيء من الدين، وهذا وإن كان قد ذكره أبو بكر النقاش وغيره من المفسرين عن النقاش ونحوه، نقله الشريف المزيدي الحراني وغيره فأجل من ذكر ذلك من المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وقد بين في تفسيره أن كل ما نقل في ذلك عن النبي ﷺ فهو باطل، فذكر في آخر تفسيره اختلاف الناس في تفسير أبجد هوز حطي، وذكر حديثا رواه من طريق محمد بن زياد الجزري عن فرات ابن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " تعلموا أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد " قال: قالوا يا رسول الله وما تفسيرها؟ قال: " أما الألف فآلاء الله وحرف من أسمائه، وأما الباء فبهاء الله، وأم الجيم فجلال الله، وأما الدال فدين الله، وأما الهاء فالهاوية، وأما الواو فويل لمن سها، وأما الزاي فالزاوية، وأما الحاء فحطوط الخطايا عن المستغفرين بالأسحار " وذكر تمام الحديث من هذا الجنس. وذكر حديثا ثانيا من حديث عبد الرحيم بن واقد حدثني الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ليس شيء إلا وله سبب وليس كل أحد يفطن له ولا بلغه ذلك، إن لأبي جاد حديثا عجيبا، أما أبو جاد فأبى آدم الطاعة وجد في أكل الشجرة، وأما هوز فزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض، وأما حطي فحطت عنه خطيئته، وأما كلمن فأكله من الشجرة ومن عليه بالتوبة " وساق تمام الحديث من هذا الجنس. وذكر حديثا ثالثا من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر بن كدام عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: " إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله، فقال له عيسى: وما بسم الله؟ فقال له المعلم: ما أدري. فقال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم ملكه، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة، أبو جاد ألف آلاء الله، وباء بهاء الله، وجيم جمال الله، ودال الله الدائم، وهوز هاء الهاوية " وذكر حديثا من هذا الجنس وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه. وروى أبو الفرج المقدسي عن الشريف المزيدي حديثا عن عمر عن النبي ﷺ في تفسير ا ب ت ث من هذا الجنس. جرح رواة حديث أبي جاد ثم قال ابن جرير: ولو كانت الأخبار التي رويت عن النبي ﷺ في ذلك صحاح الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها واهية الأسانيد غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الحزري الذي حدث حديث معاوية بن قرة عن فرات عنه غير موثوق بنقله، وأن عبد الرحيم بن واقد الذي خالفه في رواية ذلك عن الفرات مجهول غير معروف عند أهل النقل، وإن إسماعيل بن يحيى الذي حدث عن ابن أبي مليكة غير موثوق بروايته ولا جائز عند أهل النقل الاحتجاج بأخباره. قلت: إسماعيل بن يحيى هذا يقال له التيمي كوفي معروف بالكذب، ورواية إسماعيل بن عياش في غير الشاميين لا يحتج بها، بل هو ضعيف فيما ينقله عن أهل الحجاز وأهل العراق بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين فإنه حافظ لحديث أهل بلده كثير الغلط في حديث أولئك، وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال، وعبد الرحمن بن واقد لا يحتج به باتفاق أهل العلم، وفرات بن السائب ضعيف أيضا لا يحتج به فهو فرات بن أبي الفرات، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضا. التنازع في معنى أبجد هوز والصواب فيه وقد تنازع الناس في "أبجد هوز حطي.."، فقال طائفة: هي أسماء قوم، قيل: أسماء ملوك مدين أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة. وقيل: هي أسماء الستة الأيام التي خلق الله فيها الدنيا، والأول اختيار الطبري، وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد مثل أبي عاد وهواز مثل رواد وجواب، وأنها لم تعرب لعدم العقد والتركيب. والصواب أن هذه ليست أسماء لمسميات وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم، ولفظها: أبجد، هوز، حطي. ليس لفظها أبو جاد هواز. ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون الألف واحدا، والباء اثنين، والجيم ثلاثة، إلى الياء، ثم يقولون الكاف عشرون... وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون كل ألف ب وكل ب ج فكل ألف ج. ومثلوا بهذه لكونها ألفاظا تدل على صورة الشكل. والقياس لا يختص بمادة دون مادة، كما جعل أهل التصريف لفظ فعل تقابل الحروف الأصلية، والزائدة ينطقون بها ويقولون وزن استخرج استفعل، وأهل العروض يزنون بألفاظ مؤلفة من ذلك لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل والزائد ولهذا سئل بعض هؤلاء عن وزن نكتل فقال نفعل، وضحك منه أهل التصريف ووزنه عندهم نفتل فإن أصله نكتال، وأصل نكتال نكتيل تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم لما جزم الفعل سقطت، كما نقول مثل ذلك في نعتد ونقتد من اعتاد يعتاد واقتاد البعير يقتاده. ونحو ذلك في "نقتيل" فلما حذفوا الألف التي تسمى لام الكلمة صار وزنها وجعلت ثمانية تكون متحركة وهي الهمزة، وتكون ساكنة وهي حرفان على الاصطلاح الأول وحرف واحد على الثاني، والألف تقرن بالواو والياء لأنهن حروف العلة، ولهذا ذكرت في آخر حروف المعجم ونطقوا بأول لفظ كل حرف منها إلا الألف فلم يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء فجعلوا اللام قبلها فقالوا لا، والتي في الأول هي الهمزة المتحركة فإن الهمزة في أولها، وبعض الناس ينطق بها لام ألف، والصواب أن ينطق بها لا، وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر محقق، وأما النقول الضعيفة لا سيما المكذوبة فلا يعتمد عليها، وكذلك النظريات الفاسدة والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها. الحروف المفردة وأسماء الأعلام في القرآن وفي كلام الناس الثاني: أن يقال هذه الحروف الموجودة في القرآن العربي قد تكلم الله بها بأسماء حروف مثل قوله " الم "، وقوله " المص " قوله " الم طس - حم - كهيعص - حمعسق - ن - ق " فهذا كله كلام الله غير مخلوق. الثالث: أن هذه الحروف إذا وجدت في الكلام العباد، وكذلك الأسماء الموجودة في القرآن إذا وجدت في كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وإبراهيم وغير ذلك، فيقال هذه الأسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها لكن لم يتكلم بها مفردة، فإن الاسم وحده ليس بكلام ولكن يتكلم بها في كلامه الذي أنزله في مثل قوله: " محمد رسول الله " وقوله: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا - إلى قوله - رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي " وقوله: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ونحو ذلك ونحن إذا تكلمنا بكلام ذكرنا فيه هذه الأسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة، كما قال أحمد بن حنبل لرجل: ألست مخلوقا؟ قال: بلى، قال: أليس كلامك منك؟ قال: بلى، قال: أليس كلامك مخلوقا؟ قال: بلى، قال: فالله تعالى غير مخلوق، وكلامه منه ليس بمخلوق. ما أطلق على الله وعلى عباده من الصفات فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما يتكلمون بالأسماء والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى، لكن الله تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد. فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ليس كأصوات شيء من المخلوقات، والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين، كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، وهو سبحانه فقد علم العباد من علمه ما شاء كما قال تعالى: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " وهم إذا علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذي اتصف به ليس مخلوقا ونفس العباد وصفاتهم مخلوقة، لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقا، فلا يقال إن ذلك العلم مخلوق لاتصاف الرب به وإن كان ما يتصف به العبد مخلوقا. اشتراك صفات الله وصفات عباده بالأسماء للضرورة وأصل هذا أن ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فإن الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، فكلامه يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه. فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الرب. وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب والعبد، فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك، فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد، فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال العلم والقدرة والكلام، فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق، فالصفة تتبع الموصوف؛ فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة، ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن في نفسه كلام الله غير مخلوق، وإن كان حركات العباد وأصواتهم مخلوقة، ولو قال الجنب: " الحمد لله رب العالمين " ينوي به القرآن منع من ذلك وكان قرآنا، ولو قاله ينوي به حمد الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئا وجاز ذلك، ومنه قول النبي ﷺ: " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " رواه مسلم في صحيحه. فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هي من القرآن، فهي من القرآن باعتبار، وليست من القرآن باعتبار، ولو قال القائل: " يا يحيى خذ الكتاب " ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته باتفاق العلماء، وإن قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند جمهور العلماء، ولو قال لرجل اسمه يحيى وبحضرته كتاب: يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا مخلوقا لأن لفظ يحيى هنا مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب، ليس مرادا به ما أراده الله بقوله: " يا يحيى خذ الكتاب " والكلام كلام المخلوق بلفظه ومعناه. الحكم على الكلام الواحد باعتبار كونه كلام العبد أو كلام الرب وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل، فقيل هو اسم اللفظ الدال على المعنى، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ، وقيل لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة. هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب، وهذا كما تنازع الناس في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو الجسد فقط؟ والصحيح أنه اسم للروح والجسد جميعا، وإن كان مع القرينة قد يراد به هذا تارة وهذا تارة، فتنازعهم في مسمى النطق كتنازعهم في مسمى الناطق، فمن سمى شخصا محمدا وإبراهيم، وقال: جاء محمد وجاء إبراهيم لم يكن هذا محمد وإبراهيم المذكورين في القرآن، ولو قال: محمد رسول الله، وإبراهيم خليل الله، يعني به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد تكلم بمحمد وإبراهيم الذي في القرآن لكن قد تكلم بالاسم وألفه كلامه فهو كلامه لم يتكلم به في القرآن العربي الذي تكلم الله به. ومما يوضح ذلك أن الفقهاء قالوا في آداب الخلاء أنه لا يستصحب ما فيه ذكر الله واحتجوا بالحديث الذي في السنن: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، وكان خاتمه مكتوبا عليه " محمد رسول الله " محمد سطر، رسول سطر، الله سطر. ولم يمنع أحد من العلماء أن يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف الهجاء مثل ورق الحساب الذي يكتب فيه أهل الديوان الحساب. ومثل الأوراق التي يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك، وفي السيرة أن النبي ﷺ لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أتاه سعد فقال له: أهذا شيء أمر الله به فسمعا وطاعة، أم شيء تفعله لمصلحتنا؟ فبين له النبي ﷺ أنه لم يفعل ذلك بوحي بل فعله باجتهاده فقال: " لقد كنا في الجاهلية وما كانوا يأكلون منها تمرة إلا بقرى أو بشراء، فلما أعزنا الله بالإسلام يريدون أن يأكلون تمرنا؟ لا يأكلون تمرة واحدة " وبصق سعد في الصحيفة وقطعها فأقره النبي ﷺ على ذلك ولم يقل هذه حروف، فلا يجوز إهانتها والبصاق فيها. وأيضا فقد كره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو ما فيه كلام الآدميين. أصل مسمى الكلام "اللفظ مع المعنى، أم أحدهما باعتبار الآخر"؟ وأما قول القائل: إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فإن أراد جنسها فهذا صحيح، وإن أراد الحرف المعين فقد أخطأ فإن له مبدأ ومنتهى، وهو مسبوق بغيره، وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا. وأيضا فلفظ الحروف مجمل، يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التي هي مباني الكلام، ويراد بها الحروف المكتوبة، ويراد بها الحروف المتخيلة في النفس، والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس. وأما الحروف فهل تكون كلاما بدون الصوت؟ فيه نزع. والحرف قد يراد به الصوت المقطع، وقد يراد به نهاية الصوت وحده، وقد يراد بالحروف المداد، وقد يراد بالحروف شكل المداد، فالحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة وإذا كتبت في المصحف قيل كلام الله المكتوب في المصحف غير مخلوق، وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق، فالمداد مخلوق بمادته وصورته، وكلام الله المكتوب بالمداد غير مخلوق، ومن كلام الله الحروف التي تكلم الله بها فإذا كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقا. وأشكال الحروف المكتوبة مما يختلف فيها اصطلاح الأمم. البحث في قدم الحروف وحدوثها والمراد منها وخطوطها والخط العربي قد قيل أن مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة وغيرها، والخط العربي تختلف صورته: العربي القديم فيه تكوف، وقد اصطلح المتأخرون على تغيير صوره، وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف وترتيبها، وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربي هو في نفسه لا يختلف باختلاف الخطوط التي يكتب بها. فإن قيل: فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه في كلام الخالق أو كلام المخلوق؟ فإن قلتم هو من حيث هو مخلوق لزم أن يكون غير مخلوق في كلام العباد، وإن قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقا في كلام الله؟ قيل: قول القائل بل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم من حيث هو هو والقدرة من حيث هي هي، والوجود حيث هو هو، ونحو ذلك. والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا مشخصة لم يكن لها حقيقة في الخارج عن الأذهان إلا شيء معين، فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق، ووجود كل مخلوق مختص مختص به وإن كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله، وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول أفراد ذلك وليس في الخارج إلا علم الخالق وعلم المخلوق، وعلم كل مخلوق مختص به قائم به، واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام والحرف وليس في الخارج إلا كلام الخالق وكلام المخلوقين، وكلام كل مخلوق مختص به واسم الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ، وليس في الخارج إلا الحروف التي تكلم الله بها الموجودة في كلام الخالق، والحروف الموجودة في كلام المخلوقين، فإذا قيل إن علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة لم يلزم من ذلك أن يكون علم العبد وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة. وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب، وإذا قيل إن الله تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربي وبقوله: " الم - وحم - وطسم - وطس - ويس - وق - ون " ونحو ذلك فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق، وإذا كتب في المصاحف كان ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وإن كان المداد وشكله مخلوقا. التفرقة بين كلام الرب وكلام العبد في أنفسها وفي النطق وأيضا فإذا قرأ الناس كلام الله فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا، أمرا يأمر به أو خبرا يخبره ليس هو كلام المبلغ له عن غيره إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين، وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم، وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته، وقد يشار إليهما، فالمشار إليه الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق، والمشار إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق، وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبدا، وإذا قال القائل القاف في قوله: " أقم الصلاة لذكري " كالقاف في قوله: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" - قيل: وما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين، ولكن إذا بلغنا كلام الله فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل المخلوق

قاعدة في المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات



قاعدة في المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات  
 
  تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال
 قاعدة في المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات، ومنافعها ومضارها 
 بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قال الشيخ الإمام، العالم العلامة، العارف الرباني، المقذوف في قلبه النور القرآني، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه: الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا إله سواه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه وهداه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات وإن كان اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها: الآيات - لكن كثير من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة. فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة، والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى، والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين. وقد أمر الرسول ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إني ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) وكذلك قال نوح عليه السلام. فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض. وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم، كلاهما يتبرأ من ذلك. وهذا لأنهم يطالبون الرسول ﷺ تارة بعلم الغيب كقوله (ويقولن متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، ويسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ قل إنما علمها عند ربي) وتارة بالتأثير كقوله (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا - إلى قوله - قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشرا رسولا؟) وتارة يعيبون عليه الحاجة والبشرية، كقوله (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها؟) فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الله، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه، واتباع ما أوحي إليه هو الدين، وهو طاعة الله، وعبادته علما وعملا بالباطن والظاهر. وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه إياه، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس. أنواع الخوارق العلمية والعملية فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناما، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيا وإلهاما، أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويسمى كشفا ومشاهدات، ومكاشفات ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة، ويسمى ذلك كله كشفا ومكاشفة، أي كشف له عنه. وما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثر له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة - وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث المجرد " ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك. وكذلك ما كان من باب العلم والكشف قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور، كما قال النبي ﷺ في المبشرات " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له " وكما قال النبي ﷺ " أنتم شهداء الله في الأرض ". وكل واحد من الكشف والتأثير قد يكون قائما به وقد لا يكون قائما به بل يكشف الله حاله ويصنع له من حيث لا يحتسب، كما قال يوسف بن اسباط " ما صدق الله عبد إلا صنع له " وقال أحمد بن حنبل " لو وضع الصدق على جرح لبرأ " لكن من قام بغيره له من الكشف والتأثير فهو سببه أيضا، وإن كان خرق عادة في ذلك الغير، فمعجزات الأنبياء وأعلامهم ودلائل نبوتهم تدخل في ذلك. جمع لنبينا ﷺ أنوع المعجزات والخوارق وقد جمع لنبينا محمد ﷺ جميع أنواع المعجزات والخوارق. أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل أخبار نبينا ﷺ عن الأنبياء المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم، وغير الأنبياء من الأولياء وغيرهم بما يوافق ما عند أهل الكتاب الذين ورثوه بالتواتر أو بغيره من غير تعلم له منهم، وكذلك إخباره عن أمور الربوبية والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم. ويعلم أن ذلك موافق لنقول الأنبياء، تارة بما في أيديهم من الكتب الظاهرة ونحو ذلك من النقل المتواتر، وتارة بما يعمله الخاصة من علمائهم، وفي مثل هذا قد يستشهد أهل الكتاب وهو من حكمة إبقائهم بالجزية وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه. فإخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من باب العلم الخارق، وكذلك أخباره عن الأمور المستقبلة مثل مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم، وقتلا الترك، وألوف مؤلفة من الأخبار التي أخبر بها مذكور بعضها في كتب دلائل النبوة وسيرة الرسول وفضائله وكتب التفسير والحديث والمغازي، مثل دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي وسيرة ابن إسحاق، وكتب الأحاديث المسندة كمسند الإمام أحمد، والمدونة كصحيح البخاري وغير ذلك مما هو مذكور أيضا في كتب أهل الكلام والجدل كأعلام النبوة للقاضي عبد الجبار وللماوردي، والرد على النصارى للقرطبي، ومصنفات كثيرة جدا. وكذلك ما أخبر عنه غيره مما وجد في كتب الأنبياء المتقدمين، وهي في وقتنا هذا اثنان وعشرون نبوة بأيدي اليهود والنصارى كالتوراة والإنجيل والزبور وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال وأرميا. وكذلك أخبار غير الأنبياء من الأحبار والرهبان، وكذلك أخبار الجن والهواتف المطلقة، وأخبار الكهنة كسطيح وشق وغيرهما، وكذلك المنامات وتعبيرها كمنام كسرى وتعبير الموبذان، وكذا أخبار الأنبياء المتقدمين بما مضى وما عبر هو من أعلامهم. أنواع الخوارق بالقدرة والتأثير الرباني وأما القدرة والتأثير.. فإما أن يكون في العالم العلوي أو ما دونه، وما دونه إما بسيط أو مركب، والبسيط إما الجو وإما الأرض، والمركب إما حيوان وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ناطق وإما بهيم، فالعلوي كانشقاق القمر ورد الشمس ليوشع بن نون، وكذلك ردها لما فاتت عليا الصلاة والنبي ﷺ نائم في حجره - إن صح الحديث - فمن الناس من صححه كالطحاوي والقاضي عياض. ومنهم من جعله موقوفا كأبي الفرج بن الجوزي، وهذا أصح. وكذلك معراجه إلى السماوات. وأما الجو.. فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة، كحديث الأعرابي الذي في الصحيحين وغيرهما، وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره، وكذلك إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وأما الأرض والماء.. فكاهتزاز الجبل تحته وتكثير الماء في عين تبوك وعين الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة. وأما المركبات.. فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق من حديث جابر وحديث أبي طلحة، وفي أسفاره، وجراب أبي هريرة، ونخل جابر بن عبد الله، وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من الأرض كعين أبي قتادة. وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض التمثيل. وكذلك من باب القدرة: عصا موسى ﷺ وفلق البحر والقمل والضفادع والدم، وناقة صالح، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، كما أن من باب العلم إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وفي الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها، وإنما الغرض التمثيل بها. وأما المعجزات التي لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم فمثل قول عمر في قصة سارية، وأخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى، وأخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلا. وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام، والقدرة مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب. وقصة أهل الكهف، وقصة مريم، وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول الله ﷺ وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول شرحها. فإن تعداد هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس. وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه. فصل في أن الخارق يكون نعمة من الله، ويكون سببا للعذاب الخارق كشفا كان أو تأثيرا إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب وإما مستحب. وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن عوراء، لكن قد يكون صاحبها معذورا لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فيكون من جنس "برح" العابد، والنهي قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول مثل أن يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه. وقد قال تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت كشفا أو تأثيرا. والثاني: أن يدعو على غيره بما لا يستحقه، أو يدعو للظالم بالإعانة ويعينه بهمته، كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال. فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة بحيث يعذرون والناقصين نقصا لا يلامون عليه كانوا برحية. وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية، فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو لمقصود منهي عنه فإما أن يكون معذورا معفوا عنه كبرح أو يكون متعمدا للكذب كبلعام. فتخلص أن الخارق ثلاثة أقسام: محمود في الدين، ومذموم في الدين، ومباح لا محمود ولا مذموم في الدين. فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث. قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة، فإن نفسك منجلية على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب، وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا. والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا، فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين، ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا يقنص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة. فتعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين، والعلماء الزاهدين، ومشايخ الصوفية. فصل في كشف كلمات الله الكونية، وكلماته الدينية كلمات الله تعالى نوعان: كلمات كونية، وكلمات دينية. فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله " أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر " وقال سبحانه (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وقال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية التأثيرية. والنوع الثاني: الكلمات الدينية وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي: أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العبد عموما وخصوصا من الأول العلم بالكونيات والتأثير فيها. أي بموجبها. كلمات الله قدرية كونية -منها الخوارق- وشرعية، وأقسام الناس فيها ثلاثة فالأولى قدرية كونية، والثانية شرعية دينية، وكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، وكما أن الأولى تنقسم إلى تأثير في نفسه، كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء، وجلوسه على الناس، وإلى تأثير في غيره بإسقام وإصحاح، وإهلاك وإغناء وإفقار، فكذلك الثانية تنقسم إلى تأثير في نفسه بطاعته لله ورسوله. والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإلى تأثير في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية، بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله في الكلمات الدينيات. كما قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها بالكلمات الكونيات. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله. بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه إذا لم يكن وجود ذلك في حقه مأمورا به أمر إيجاب ولا استحباب، وأما عدم الدين والعمل به فيصير الإنسان ناقصا مذموما إما أن يجعله مستحقا للعقاب، وإما أن يجعله محروما من الثواب، وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ينال به العبد رضوان الله وحده وصلاته وثوابه، وأما العلم بالكون والتأثير فيه فلا ينال به ذلك إلا إذا كان داخلا في الدين، بل قد يجب عليه شكره، وقد يناله به إثم. إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة بالدين فقط، أو بالكون فقط، [وإما أن يجتمع له الأمران معا]. بيان الأقسام الثلاثة في الخوارق العلمية والعملية والدين فالأول: كما قال لنبيه ﷺ (وقل رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) فإن السلطان النصير يجمع الحجة والمنزلة عند الله، وهو كلماته الدينية والقدرية الكونية عند الله بكلماته الكونيات، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام تجمع الأمرين، فإنهما حجة على النبوة من الله وهي قدرة. وأبلغ ذلك القرآن الذي جاء به محمد ﷺ، فإنه هو شرع الله وكلماته الدينيات، وهو حجة محمد ﷺ على نبوته ومجيئه من الخوارق للعادات. فهو الدعوة وهو الحجة والمعجزة. وأما القسم الثاني: فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبرا وأمرا ويعمل به ويأمر به الناس، ويعلم بوقت نزول المطر وتغير السعر، وشفاء المريض، وقدوم الغائب، ولقاء العدو، وله تأثير إما في الأناسي، وإما في غيرهم بإصحاح وإسقام وإهلاك، أو ولادة أو ولاية أو عزل. وجماع التأثير إما جلب منفعة كالمال والرياسة، وإما دفع مضرة كالعدو والمرض، أو لا واحد منهما مثل ركوب أسد بلا فائدة، أو إطفاء نار ونحو ذلك. وأما الثالث: فمن يجتمع له الأمران، بأن يؤتى من الكشف والتأثير الكوني، ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي. وهو علم الدين والعمل به، والأمر به، ويؤتى من علم الدين والعمل به، ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني، بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية، أو أن تخرق له العادة في الأمور الدينية، بحيث ينال من العلوم الدينية، ومن العمل بها، ومن الأمر بها، ومن طاعة الخلق فيها، ما لم ينله غيره في مطرد العادة، فهذه أعظم الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد ﷺ وأبي بكر الصديق وعمر وكل المسلمين. فهذا القسم الثالث هو مقتضى (إياك نعبد وإياك نستعين) إذ الأول هو العبادة، والثاني هو الاستعانة، وهو حال نبينا محمد ﷺ والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطنا وظاهرا، فإن كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة، فالحجة ليظهر بها دين الله ليؤمن الكافر ويخلص المنافق ويزداد الذين آمنوا إيمانا، فكانت فائدتها اتباع دين الله علما وعملا كالمقصود بالجهاد، والحاجة كجلب منفعة يحتاجون إليها كالطعام والشراب وقت الحاجة إليه أو دفع مضرة عنهم ككسر العدو بالحصى الذي رماهم به فقيل: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وكل من هذين يعود إلى منفعة الدين كالأكل والشرب وقتال العدو والصدقة على المسلمين فإن هذا من جملة الدين والأعمال الصالحة. ما يكون من الخوارق كمالا وما يكون نقصا وأما القسم الأول - وهو المتعلق بالدين فقط - فقد يكون منه ما لا يحتاج إلى الثاني ولا له فيه منفعة، كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين وعلمائهم وعبادهم، مع أنه لا بد أن يكون لهم شخصا أو نوعا بشيء من الخوارق، وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها، فانتفاء الخارق الكوني في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته، وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصا، وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصا وقد لا يكون نقصا، فإن كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصا وهو سبب الضرر، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس هو نقصا عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين، وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسب بالكونيات التي لا يكون عدمها ناقصا لثواب لم يكن ذلك نقصا، مثل من يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله، أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه لينتصر عليه. وأما القسم الثاني - وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني - فقد تقدم أنه تارة يكون زيادة في دينه، وتارة يكون نقصا، وتارة لا له ولا عليه، وهذا غالب حال أهل الاستعانة، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة، وهذا الثاني بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبيا، فيكون خير أهل الأرض، وقد يكون ظالما من شر الناس، وقد يكون ملكا عادلا فيكون من أوساط الناس فإن العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه، فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد، إلا أن أسباب هذا باطنة روحانية، وأسباب هذا ظاهرة جثمانية. وبهذا تبين لك أن القسم الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم، وخير عند الله وعند رسوله وعباده الصالحين المؤمنين العقلاء. وذلك من وجوه: أحدها: أن علم الدين طلبا وخبرا لا ينال إلا من جهة الرسول ﷺ، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص به الرسول وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس، فلا ينال علمه إلا هم وأتباعهم، ولا يعلمه إلا هم وأتباعهم. الثاني: أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة وأحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم. الكشف والتأثير الروحاني قد يكونان مفاسد في الدين والدنيا وأما التأثير الكوني فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر، تأثيره في نفسه وفي غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر، وكالملوك والجبابرة المسلطين والسلاطين الجبابرة، وما كان من العلم مختصا بالصالحين أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون. الثالث: أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره. وأما الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة بل قد يضره كما قال تعالى (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون). المنافع الدينية والدنيوية بأسبابها أعم وأعظم منها بالخوارق الرابع: أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو لا يكون، فإن لم يكن فيه فائدة كالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع بالجن لغير فائدة والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما يستعظم هذا من لم ينله وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة فهو يستعظمه من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة، ودفع مضرة كالعدو والمرض، فهذه المنفعة تنال غالبا بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق، ولا يحصل بالخوارق منها إلا القليل، ولا تدوم إلا بأسباب أخرى. وأما الآخر أيضا فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين، والدين وحده موجب للآخرة بلا خارق، بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من تحصيل الآخرة كحال نبينا محمد ﷺ وكذلك المال والرياسة التي تحصل لأهل الدين بالخوارق إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق وحدها لا تؤثر في الدنيا إلا أثرا ضعيفا. فإن قيل: مجرد الخوارق إن لم تحصل بنفسها منفعة لا في الدين ولا في الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له، فهو موجب الرياسة والسلطان، ثم يتوسط ذلك فتجتلب المنافع الدينية والدنيوية، وتدفع المضار الدينية والدنيوية. قلت: نعم لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارق في نفسه من غير فعل الناس. وأما إن تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول، أولا: الدين الصحيح أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو الواقع، فإنه لا نسبة لطاعة من أطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره، إذ طاعة الأول أعم وأكثر، والمطيع بها خيار بني آدم عقلا ودينا، وأما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ولا يدخل فيها إلا جهال الناس، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ونحوهم وأهل البوادي والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين. ثم نقول ثانيا: لو كان صاحب الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب الدين لكان غايته أن يكون ملكا من الملوك، بل ملكه إن لم يقرنه بالدين فهو كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم، وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التي ينالها الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من الرياسة بالخارق المجرد، فإن هذه أكثر ما يكون مدة قريبة. الخامس: أن الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير. أسباب الكشف والتأثير الخارق للعادة ومضارهما وأما الكشف أو التأثير فإن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات، وأما في الدنيا فإن الخوارق هي من الأمور الخطرة التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال، فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه، وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها، كما يفعله مولهو الأحمدية - فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته، وأشقي نفسه شقاء لا مزيد عليه، وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات، وكذلك إن قصد تسخير الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم ومحاربتهم، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين - فهذا القدر إذا فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله دينا يتقرب به إلى الله كان كأنه قهرمان للناس يحفظ أموالهم، أو طبيب أو صيدلي يعالج أمراضهم، أو أعوان سلطان يقاتلون عنه، إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء. ومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك أقواما ولا يعدل بينهم، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرهم. وهذا يوجب له عداوة الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا، ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا إذا أمر الله به ورسوله لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى. السادس: أن الدين علما وعملا إذا صح فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال تعالى (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) وقال تعالى (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما، ولهديناهم صراطا مستقيما) وقال تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون،لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة). وقال رسول الله ﷺ " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله - ثم قرأ قوله تعالى - إن في ذلك لآيات للمتوسمين " رواه الترمذي وحسنه من رواية أبي سعيد. وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله ﷺ " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه " فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه، وفيه أن محبوبه به يعلم سمعا وبصرا، وبه يعمل بطشا وسعيا، وفيه أنه يجيبه إلى ما يطلبه منه من المنافع، ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار. وهذا باب واسع. وأما الخوارق فقد تكون مع الدين وقد تكون مع عدمه أو فساده أو نقصه. الخوارق تكون مع الدين ومع عدمه، وحق كل منهما السابع: أن الدين هو إقامة حق العبودية وهو فعل ما عليك وما أمرت به، وأما الخوارق فهي من حق الربوبيبة إذا لم يؤمر العبد بها، وإن كانت بسعي من العبد فإن الله هو الذي يخلقها بما ينصبه من الأسباب، والعبد ينبغي له أن يهتم بما عليه وما أمر به، وأما اهتمامه بما يفعله الله إذا لم يؤمر بالاهتمام به فهو إما فضول فتكون لما فيها من المنافع كالمنافع السلطانية المالية التي يستعان بها على الدين كتكثير الطعام والشراب وطاعة الناس إذا رأوها. ولما فيها من دفع المضار عن الدين بمنزلة الجهاد الذي فيه دفع العدو وغلبته. ثم هل الدين محتاج إليها في الأصل، ولأن الإيمان بالنبوة لا يتم إلا بالخارق أو ليس بمحتاج في الخاصة بل في حق العامة؟ هذا نتكلم عليه. الخوارق في نفعها بالدين وله، وضررها في سواه كالرياسة والمال وأنفع الخوارق الخارق الديني وهو حال نبينا محمد ﷺ. قال ﷺ " ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " أخرجاه في الصحيحين. وكانت آيته هي دعوته وحجته بخلاف غيره من الأنبياء. ولهذا يجد كثيرا من المنحرفين منا إلى العيسوية يفرون من القرآن والقال إلى الحال، كما أن المنحرفين منا إلى الموسوية يفرون من الإيمان والحال إلى القال، ونبينا ﷺ صاحب القال والحال، وصاحب القرآن والإيمان. ثم بعده الخارق المؤيد للدين المعين له، لأن الخارق في مرتبة (إياك نستعين) والدين في مرتبة (إياك نعبد) فأما الخارق الذي لم يعن الدين فإما متاع دنيا أو معبد صاحبه عن الله تعالى. فظهر بذلك أن الخوارق النافعة تابعة للدين حادثة له كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فمن جعلها هي المقصودة وجعل الدين تابعا لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل فهو يشبه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة فإن ذلك مأمور به وهو على سبيل نجاة وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع وارتقى عن أن يكون دينه خوفا من النار أو طلبا للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا ولعله اجتهادا عظيما في مثله وهذا عرف، ولكن منهم من يكون قصده بهذا تثبيت قلبه وطمأنينته وإيقانه بصحة طريقه وسلوكه، فهو يطلب الآية علامة وبرهانا على صحة دينه، كما تطلب الأمم من الأنبياء الآيات دلالة على صدقهم، فهذا أعذر لهم في ذلك. ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم به عن الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم، صار كل من كان عنهم أبعد مع صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه وعمله. فيظهر مع الأفراد في أوقات الفترات وأماكن الفترات من الخوارق ما لا يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النبوة والدعوة. فصل في طرق العلم بالكائنات وكشفها والعلم بالدين بقسميه: "الخبر" و"الإنشاء" العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة: حسية وعقلية وكشفية وسمعية ضرورية ونظرية وغير ذلك، وينقسم إلى قطعي وظني وغير ذلك، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما يتبع منها وما لا يتبع في الأحكام الشرعية، أعني الأحكام الشرعية على العلم بالكائنات من طريق الكشف يقظة ومناما كما كتبه في الجهاد. أما العلم بالدين وكشفه فالدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية وأمور طلبية عملية. فالأول: كالعلم بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، ويدخل في ذلك أخبار الأنبياء وأممهم ومراتبهم في الفضائل، وأحوال الملائكة وصفاتهم وأعمالهم، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار، وما في الأعمال من الثواب والعقاب، وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم ومراتبهم وغير ذلك. وقد يسمى هذا النوع أصول دين، ويسمى العقد الأكبر، ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاما. ويسمى عقائد واعتقادات، ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية، ويسمى علم المكاشفة. والثاني: الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارج والقلب كالواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات، فإن الأمر والنهي قد يكون بالعلم والاعتقاد، فهو من جهة كونه علما واعتقادا أو خبرا صادقا أو كاذبا يدخل في القسم الأول، ومن جهة كونه مأمورا به أو منهيا عنه يدخل في القسم الثاني، مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهذه الشهادة من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول، ومن جهة أنها فرض واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمنا يستحق الثواب، وبعدمها يصير كافرا يحل دمه وماله، فهي من القسم الثاني. المتفق عليه والمختلف فيه من طرق العلم بالدين وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة إلى القسمين كاتفاقهم على أن القرآن دليل فيهما في الجملة، وقد يتنازعون في بعض الطرق كتنازعهم في أن الأحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر هل تعلم بالعقل كما تعلم بالسمع أم لا تعلم إلا بالسمع؟ وأن السمع هل هو منشأ الأحكام أو مظهر لها كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها؟ وكذلك الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع على المسائل الكبار في القسم الأول، مثل مسائل الصفات والقدر وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، وأبى ذلك كثير من أهل البدع المتكلمين بما عندهم على أن السمع لا يثبت إلا بعد تلك المسائل فإثباتها بالسمع... حتى يزعم كثير من القدرية والمعتزلة أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن على حكمة الله وعدله وأنه خالق كل شيء وقادر على كل شيء، وتزعم الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الأشعرية وغيرهم أنه لا يصح الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته، وأنه مستو على العرش. ويزعم قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل القطعية مطلقا بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا. ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين. ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالإجماع على شيء، ومنهم من يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لأنه ظني. وأنواع من هذه المقالات التي ليس هذا موضعها. فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من دليل أو مشاهدة، باطنة أو ظاهرة، عام أو خاص، فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعا كثيرا. وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحد بغير الطريق التي يعرفها، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك. وكذلك الأمور الكشفية التي للأولياء، من أهل الكلام من ينكرها، ومن أصحابنا من يغلو فيها، وخيار الأمور أوساطها. الدلائل العقلية والنقلية والكشفية وغلو الفرق في كل منها فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفيا وإثباتا، فمن الناس من ينكر منها ما لا يعرفه، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه، فيرفعه فوق قدره وينفي ما سواه. فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض وهم أكثر خلق الله تناقضا واختلافا، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيا. وطائفة ممن تدعي السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة وحكايات مصنوعة يعلم أنها كذب. وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي، وكثير من المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفا وهي خيالات غير مطابقة، وأوهام غير صادقة (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) فنقول: أدلة الشرع المجمع عليها والمختلف فيها وأقسامها أما طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم عليها في أصول الفقه فهي - بإجماع المسلمين: الكتاب، لم يختلف أحد من الأئمة في ذلك كما خالف بعض أهل الضلال في الاستدلال على بعض المسائل الإعتقادية. والثاني: السنة المتواترة التي لا تخالف ظاهر القرآن بل تفسره، مثل أعداد الصلاة وأعداد ركعاتها، ونصب الزكاة وفرائضها، وصفة الحج والعمرة وغير ذلك من الأحكام التي لم تعلم إلا بتفسير السنة. وأما السنة المتواترة التي لا تفر ظاهر القرآن، أو يقال تخالف ظاهره كالسنة في تقدير نصاب السرقة ورجك الزاني وغير ذلك، فمذهب جميع السلف العمل بها أيضا إلا الخوارج، فإن من قولهم - أو قول بعضهم - مخالفة السنة، حيث قال أولهم للنبي ﷺ في وجهه: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. ويحكي عنهم أنهم لا يتبعونه ﷺ إلا فيما بلغه عن الله من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون إلا بظاهره، ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. وقال النبي ﷺ لأولهم " لقد خبت وخسرت إن لم أعدل " فأجوز جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال، وهو معتقد أنه أمين الله على وجيه، فقد اتبع ظالما كاذبا وجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر السماء، ولهذا قال النبي ﷺ " أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني؟ " أو كما قال، يقول ﷺ إن أداء الأمانة في الوحي. أعظم والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحي بحكمه وقسميه. وقد ينكر هؤلاء كثيرا من السنن طعنا في النقل لا ردا للمنقول كما ينكر كثير من أهل البدع السنن المتواترة عند أهل العلم كالشفاعة والحوض والصراط والقدر وغير ذلك. الخلاف في السنن المتلقاة بالقبول وفي الإجماع والقياس الطريق الثالث: السنن المتواترة عن رسول الله ﷺ، إما متلقاة بالقبول من أهل العلم بها، أو برواية الثقات لها. وهذه أيضا مما اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم، وقد أنكرها بعض أهل الكلام، وأنكر كثير منهم أن يحصل العلم بشيء منها وإنما يوجب العلم، فلم يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره، وكثير من أهل الرأي قد ينكر كثيرا منها بشروط اشترطها، ومعارضات دفعها بها ووضعها، كما يرد بعضهم بعضا، لأنه بخلاف ظاهر القرآن فيما زعم، أو لأنه خلاف الأصول، أو قياس الأصول، أو لأن عمل متأخري أهل المدينة على خلافه أو غير ذلك من المسائل المعروفة في كتب الفقه والحديث وأصول الفقه. الطريق الرابع: الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبا، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع السكوتي وغير ذلك. الطريق الخامس: القياس على النص والإجماع، وهو حجة أيضا عند جماهير الفقهاء، لكن كثيرا من أهل الرأي أسرف فيه حتى استعمله قبل البحث عن النص، وحتى رد به النصوص، وحتى استعمل منه الفاسد، ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل القياس من ينكره رأسا، وهي مسألة كبيرة والحق فيها متوسط بين الإسراف والنقض. الطريق السادس: الاستصحاب، وهو البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، وهو حجة على عدم الاعتقاد بالاتفاق، وهل هو حجة في اعتقاد العدم؟ فيه خلاف، ومما يشبهه الاستدلال بعدم الدليل السمعي على عدم الحكم الشرعي، مثل أن يقال: لو كانت الأضحية أو الوتر واجبا لنصب الشرع عليه دليلا شرعيا، إذ وجوب هذا لا يعلم بدون الشرع، ولا دليل، فلا وجوب. فالأول يبقى على نفي الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير له. وهذا استدلال بعدم الدليل السمعي المثبت على عدم الحكم، إذ يلزم من ثبوت مثل هذا الحكم ثبوت دليله السمعي، كما يستدل بعدم النقل لما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وما توجب الشرعية نقله، وما يعلم من دين أهلها وعادتهم أنهم ينقلونه على أنه لم يكن، كالاستدلال بذلك على عدم زيادة في القرآن وفي الشرائع الظاهرة وعدم النص الجلي بالإمامة على علي أو العباس أو غيرهما، ويعلم الخاصة من أهل العلم بالسنن والآثار وسيرة النبي ﷺ وخلفائه انتفاء أمور من هذا هذا، لا يعلم انتفاءها غيرهم، ولعلمهم بما بنفيها من أمور منقولة يعلمونها هم، ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها؛ فإن وجود أحد الضدين ينفي الآخر، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. الخلاف في دلالة المصالح المرسلة وعد أذواق الصوفية منها الطريق السابع: المصالح المرسلة، وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة، ومنهم من يسميها الرأي، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته، وهذه مصلحة، لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان. وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين. وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي. وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي. فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر. وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المهدية كلاما بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء علىأن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه. وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها. وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا. تحقيق القول في مسألة المصالح المرسلة والاستحسان وما في معناهما والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله. وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسنا كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا، والحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق. والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له، إما أن الشرع دل عليه هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما). اختلاف أهواء الناس في المنافع والمضار والمصالح والمفاسد دنيا ودينا وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم يكن كذلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا، ومنفعة لهم، فقد (ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. فإذا كان الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا الباب. وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. فإن باب جحود الحق ومعاندته من باب جهله والعمى عنه، والكفار فيهم هذا وفيهم هذا، وكذلك في أهل الأهواء من المسلمين القسمان. فإن الناس كما أنهم في باب الفتوى والحديث يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى، فكذلك هم في أحوال الديانات، وكذلك في الأفعال قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم، وقد يعتقدون أنه ليس بظلم وهو ظلم، فإن الإنسان كما قال الله تعالى (وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا) فتارة يجهل وتارة يظلم: ذلك في قوة علمه، وهذا في قوة عمله. واعلم أن هذا الباب مشترك بين أهل العلم والقول، وبين أهل الإرادة والعمل، فذلك يقول هذا جائز أو حسن، بناء على ما رآه، وهذا يفعله من غير اعتقاد تحريمه أو اعتقاد أنه خير له كما يجد نفعا في مثل السماع المحدث: سماع المكاء والتصدية واليراع التي يقال لها الشبابة والصفارة والأوتار وغير ذلك، وهذا يفعله لما يجده من لذته، وقد يفعله لما يجده من منفعة دينه بزيادة أحواله الدينية كما يفعل مع القرآن. وهذا يقول جائز لما يرى من تلك المصلحة والمنفعة، وهو نظير المقالات المبتدعة. وهذا يقول هو حق لدلالة القياس العقلي عليه. وهذا يقول يجوز ويجب اعتقادها وإدخالها في الدين إذ كانت كذلك، وكذلك سياسات ولاة الأمور من الولاة والقضاء وغير ذلك. ما اتفق عليه واختلف فيه من الحسن والقبح والنفع والضر.. إلخ واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن نفسه أنه قد يميز بعقله بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وبين النافع والضار، والمصلحة والمفسدة، ولا يمكن المؤمن أن يدفع عن إيمانه أن الشريعة جاءت بما هو الحق والصدق في المعتقدات، وجاءت بما هو النافع والمصلحة في الأعمال التي تدخل فيها الاعتقادات، ولهذا لم يختلف الناس أن الحسن أو القبيح إذا فسر بالنافع والضار والملائم للإنسان والمنافي له واللذيذ والأليم - فإنه قد يعلم بالعقل، هذا في الأفعال. وكذلك إذا فسر حسنه بأنه موجود أو كمال الموجود يوصف بالحسن. ومنه قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى) وقوله (الذي أحسن كل شيء خلقه) كما نعلم أن الحي أكمل من الميت في وجوده، وأن العالم أكمل من الجاهل، وأن الصادق أكمل من الكاذب - فهذا أيضا قد يعلم بالعقل. وإنما اختلفوا في أن العقل هل يعتبر المنفعة والمضرة. وأنه هل باب التحسين واحد في الخالق والمخلوق؟ المنفعة المطلقة والراجحة، والعبادات الصحيحة والباطلة فأما الوجهان الأولان فثابتان في أنفسهما، ومنهما ما يعلم بالعقل الأول في الحق المقصود، والثاني في الحق الموجود (الأول) متعلق بحب القلب وبغضه وإرادته وكراهته وخطابه بالأمر والنهي (الثاني) متعلق بتصديقه وتكذيبه وإثباته ونفيه وخطابه الخبري المشتمل على النفي والإثبات، والباطل بمعنى المعدوم المنتفي، والحق بإزاء ما ينبغي قصده وطلبه وعمله، وهو النافع، والباطل بإزاء ما لا ينبغي قصده ولا طلبه ولا عمله وهو غير النافع. والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التي هي حصول اللذة، ودفع الألم هو حصول المطلوب، وزوال المرهوب حصول النعيم وزوال العذاب، وحصول الخير وزوال الشر، ثم الموجود والنافع قد يكون ثابتا دائما وقد يكون منقطعا لا سيما إذا كان زمنا يسيرا فيستعمل الباطل كثيرا بإزاء ما لا يبقى من المنفعة، وبإزاء ما لا يدوم من الوجود، كما يقال الموت حق والحياة باطل وحقيقته أنه يستعمل بإزاء ما ليس من المنافع خالصا أو راجحا كما تقدم القول فيه فيما يزهد فيه، وهو ما ليس بنافع، والمنفعة المطلقة هي الخالصة أو الراجحة، وأما ما يفوت أرجح منها أو يعقب ضررا ليس هو دونها فإنها باطل في الاعتبار والمضرة أحق باسم الباطل من المنفعة. وأما ما يظن فيه منفعة وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال، فهذه الأمور التي يشرع الزهد فيها وتركها وهي باطل، ولذلك ما نهى الله عنه ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملا على منفعة خالصة أو راجحة. ولهذا صارت أعمال الكفار والمنافقين باطلة لقوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب) الآية. أخبر أن صدقة المرائي والمنان باطلة لم يبق فيها منفعة له، وكذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) وكذلك الإحباط في مثل قوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ولهذا تسميه الفقهاء "العقود". والعبادات بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده ولم يترتب عليه أثره، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه، ومن هذا قوله (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) الآية وقوله (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته) وقوله (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ولذلك وصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة ليست مطابقة ولا حقا كما أن الأعمال ليست نافعة. وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة إن لم يكن فيها منفعة كقوله ﷺ " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع " فيعود الحق فيما يتعلق بالإنسان إلى ما ينفعه من علم وقول وعمل وحال، قال الله تعالى (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها - إلى قوله - كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) وقال تعالى (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد - إلى قوله - كذل يضرب الله للناس أمثالهم). وإذا كان كذلك وقد علم أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل حابط لا ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لأن ما لم يرد به وجهه إما أن لا ينفع بحال، وإما أن ينفع في الدنيا أو في الآخرة. فالأول ظاهر وكذلك منفعته في الآخرة بعد الموت، فإنه قد ثبت بنصوص المرسلين أنه بعد الموت لا ينفع الإنسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله. وأما في الدنيا فقد يحصل له لذات وسرور، وقد يجزى بأعماله في الدنيا، لكن تلك اللذات إذا كانت تعقب ضررا أعظم منها وتفوت أنفع منها وأبقاه، فهي باطلة أيضا، فثبت أن كل عمل لا يرد به وجه الله فهو باطل وإن كان فيه لذة ما. وأما الكائنات فقد كانت معدومة منفية فثبت أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". وكما قال ﷺ " أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد " ألا كل شيء ما خلا الله باطل "، وكل مقصود بدون قصد الله فهو باطل، وعلى هذين فقد فسر قوله (كل شيء هالك إلا وجهه) إلا ما أريد به وجهه وكل شيء معدوم إلا من جهته. هذا على قول، وأما القول الآخر وهو المأثور عن طائفة من السلف وبه فسر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده على الجهمية والزنادقة قال أحمد: وأما قوله (كل شيء هالك إلا وجهه) وذلك أن الله أنزل (كل من عليها فان) فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأنزل الله تعالى أنه يخبر عن أهل السموات والأرض أنكم تموتون فقال: كل شيء من الحيوان هالك - يعني ميتا - إلا وجهه، فإنه حي لا يموت، فلما ذكر ذلك أيقنوا عند ذلك بالموت " ذكر ذلك في رده على الجهمية قولهم أن الجنة والنار تفنيان. وقد تبين مما ذكرناه أن الحسن هو الحق والصدق والنافع والمصلحة والحكمة والصواب. وأن الشيء القبيح هو الباطل والكذب والضار والمفسدة والسفه والخطأ. الاختلاف في أفعال الله وأفعال العباد من حيث الحسن وعدمه وأما مواضع الاشتباه والنزاع واختلاف الخلائق فموضع واحد وذلك أن فعل الله كله حسن جميل، قال الله عز وجل (الذي أحسن كل شيء خلقه) وقال تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) وقال تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون). وقال النبي ﷺ " إن الله جميل يحب الجمال " وهو حكم عدل قال الله تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وقال تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) وقال تعالى (وهو الحكيم الخبير) وهذا كله متفق عليه بين الأمة مجملا غير مفسر فإذا فسر تنازعوا فيه. وذلك أن هذه الأعمال الفاسدة والآلام وهذا الشر الوجودي المتعلق بالحيوان، وأنه لا يخلوا عن أن يكون عملا من الأعمال، أو أن يكون ألما من الآلام الواقعة بالحيوان، وذلك العمل القبيح والألم شره من ضرره، وهذا العامل والمعالم، فالمعتزلة ومن اتبعها من الشيعة تزعم أن الأعمال ليست من خلقه ولا كونها شيء، وأن الآلام لا يجوز أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق. أو تعوض بنفع لاحق، وكثير من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون بل الجميع خلقه وهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا فرق بين خلق المضار والمنافع، والخير والشر بالنسبة إليه. ويقول هؤلاء: إنه لا يتصور أن يفعل ظلما ولا سفها أصلا، بل لو فرض أنه فعل أي شيء كان فعله حكمة وعدلا وحسنا، إذ لا قبيح إلا ما نهى عنه وهو لم ينهه أحد، ويسوون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم، وعقوبة المحسن، ورفع درجات الكفار والمنافقين. والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد ولا يتضرر بمعصيتهم، لكن الأولون يقولون: الإحسان إلى الغير حسن لذاته وإن لم يعد إلى المحسن منه فائدة. والآخرون يقولون: ما حسن منا حسن منه، وما قبح منا قبح منه، والآخرون مع جمهور الخلائق ينكرون، والأولون يقولون: إذا أمر بالشيء فقد أراده منا. لا يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو يضر، كنحو ما يأمر الواحد منا غيره بشيء فإنه لا بد أن يريده منه ويعينه عليه، وقد أقدر الكفار بغاية القدرة، ولم يبق يقدر على أن يجعلهم يؤمنون اختيارا، وإنما كفرهم وفسوقهم وعصيانهم بدون مشيئته واختياره. وآخرون يقولون: الأمر ليس بمستلزم الإرادة أصلا، وقد بينت التوسط بين هذين في غير هذا الموضع، وكذلك أمره. والأولون يقولون: لا يأمر إلا بما فيه مصلحة العباد، والآخرون يقولون: أمره لا يتوقف على المصلحة. مقدمات مسلمات لتحقيق مسألة الحسن والقبح وهنا مقدمات، تكشف هذه المشكلات: إحداها: أنه ليس ما حسن منه يحسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا، فإن المعتزلة شبهت الله بخلقه، وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة، ويقبح لجلبه المضرة، ويحسن لأنا أمرنا به، ويقبح لأنا نهينا عنه، وهذان الوجهان منتفيان في حق الله تعالى قطعا، ولو كان الفعل يحسن باعتبار آخر كما قال بعض الشيوخ: ويقبح من سواك الفعل عندي... وتفعله فيحسن منك ذاكا المقدمة الثانية: أن الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا وقد يدرك بعض ذلك بالعقل وإن فسر ذلك بالنافع والضار والمكمل والمنقص، فإن أحكام الشارع فيما يأمر به وينهي عنه تارة تكون كاشفة للصفات الفعلية ومؤكدة لها وتارة تكون مبينة للفعل صفات لم تكن له قبل ذلك، وإن الفعل تارة يكون حسنه من جهة نفسه وتارة من جهة الأمر به وتارة من الجهتين جميعا. ومن أنكر أن يكون للفعل صفات ذاتية لم يحسن إلا لتعلق الأمر به وإن الأحكام بمجرد نسبة الخطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها، وأنكر خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حكمة الشريعة مقاصدها ومحاسنها. المقدمة الثالثة: إن الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومن جعل شيئا من الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته فقد ألحد في أسمائه وآياته بخلاف ما عليه القدرية. الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية والمحبة والرضا المقدمة الرابعة: إن الله إذا أمر العبد بشيء فقد أراده منه إرادة شرعية دينية وإن لم يرده منه إرادة قدرية كونية فإثبات إرادته في الأمر مطلقا خطأ ونفيها عن الأمر مطلقا خطأ وإنما الصواب التفصيل كما جاء في التنزيل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، يريد الله ليخفف عنكم، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) وقال (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) وقال (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) وقال (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) وأمثال ذلك كثير. المقدمة الخامسة: إن محبته ورضاه مستلزم للإرادة الدينية والأمر الديني وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الإرادة الدينية فالمحبة والرضا والغضب والسخط ليس هو مجرد الإرادة. هذا قول جمهور أهل السنة. ومن قال إن هذه الأمور بمعنى الإرادة كما يقوله كثير من القدرية وكثير من أهل الإثبات فإنه يستلزم أحد أمرين: إما الكفر والفسوق والمعاصي مما يكرهها دينا فقد كره كونها وأنها واقعة بدون مشيئته وإرادته. وهذا قول القدرية، أو يقول إنه لما كان مريدا لها شاءها فهو محب راض بها كما تقوله طائفة من أهل الإثبات، وكلا القولين فيه ما فيه، فإن الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين وقد رضي عن المؤمنين، ويحب ما أمر به أمر إيجاب واستحباب، وليس هذا المعنى ثابتا في الكفار والفجار والظالمين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب كل مختال فخور، ومع هذا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأحسن ما يعتذر به من قال هذا القول من أهل الإثبات: أن المحبة بمعنى الإرادة أنه أحبها كما أرادها كونا، فكذلك أحبها ورضيها كونا، وهذا فيه نظر مذكور في غير هذا الموضع. الفرق بين أمر الرب ونهيه لعباده، وأمرهم ونهيهم لعبيدهم وخدمهم فإن قيل: تقسيم الإرادة لا يعرف في حينا بل أن الأمر منه بالشيء إما أن يريده أو لا يريده، وأما الفرق بين الإرادة والمحبة فقد يعرف في حقنا (فيقال) وهذا هو الواجب فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس أمره لنا كأمر الواحد منا لعبده وخدمه، وذلك أن الواحد منا إذا أمر عبده فإما أن يأمره لحاجته إليه أو إلى المأمور به، أو لحاجته إلى الأمر فقط، فالأول كأمر السلطان جنده بما فيه حفظ ملكه ومنافعهم له، فإن هداية الخلق وإرشادهم بالأمر والنهي هي من باب الإحسان إليهم، والمحسن من العباد يحتاج إلى إحسانه قال الله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وقال (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم وإنما أمرهم إحسانا منه ونعمة أنعم بها عليهم، فأمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم. وإرسال الرسل، وإنزال الكتب من أعظم نعمه على خلقه كما قال (وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين) وقال تعالى (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) وقال (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) فمن أنعم الله عليه مع الأمر بالامتثال فقد تمت النعمة في حقه كما قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وهؤلاء هم المؤمنون. ومن لم ينعم عليه بالامتثال بل خذله حتى كفر وعصى فقد شقي لما بدل نعمة الله كفرا كما قال (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) والأمر والنهي الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم يضر ذلك عدم انتفاع بعض الناس بهما من الكفار، كإنزال المطر وإنبات الرزق هو نعمة عامة وإن تضرر بها بعض الناس لحكمة أخرى، كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات وأعيانها وأفعالها لا يوجب أن يحب كل شيء منها فإذا أمر العبد بأمر فذاك إرشاد ودلالة، فإن فعل المأمور به صار محبوبا لله وإلا لم يكن محبوبا له وإن كان مرادا له، وإرادته له تكوينا لمعنى آخر. فالتكوين غير التشريع. ما تقتضيه المحبة والرضا من الملاءمة وضدهما من المنافرة فإن قيل: المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب والمحبوب ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحا ولذة وسرورا، وكذلك البغض لا يكون إلا عن منافرة بين المبغض والمبعض، وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضا ونحو ذلك، والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة، إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه، وما لا يضره كيف يبغضه؟ والله غني لا تجوز عليه الحاجة، إذ لو جازت عليه الحاجة للزم حدوثه وإمكانه وهو غني عن العالمين، وقد قال تعالى - أي في الحديث القدسي - " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني " فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر. فيقال: الجواب من وجهين: أحدهما: الإلزام، وهو أن نقول: الإرادة لا تكون إلا للمناسبة بين المريد والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة، وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ينتفع به ولا يريده، ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار لا يكون إلا لنفرة وبغض، وإلا فما لم يتألم به الحي أصلا لا يكرهه ولا يدفعه، وكذلك نفس نفع الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة، فإن الواحد منا إنما يحن إلى غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة، وإنما يضر غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة، فإذا كان الذي يثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم يكن إثبات إحداهما ونفي الآخر أولى من العكس، ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق، وحينئذ فالواجب إما نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم وإن ذلك يستلزم الإرادة، وإما إثبات الجميع كما جاءت به النصوص، وحينئذ فمن توهم أنه يلزم من ذلك محذور أو أحد الأمرين لازم: إما أن ذلك المحذور لا يلزم أو أنه إن لزم فليس بمحذور. الجواب الثاني: أن الذي يعلم قطعا هو أن الله قديم واجب الوجود كامل، وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص، لكن كون هذه الأمور التي جاءت بها النصوص مستلزمة للحدوث والإمكان أو النقص هو موضع النظر، فإن الله غني واجب بنفسه، وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا حاجته. وإن قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله مفتقر إلى ذاته، ومعلوم أنه غني بنفسه، وأنه واجب الوجود بنفسه، وأنه موجود بنفسه، فتوهم حاجة نفسه إلى نفسه، إن عني به أن ذاته لا تقوم إلا بذاته فهذا حق، فإن الله غني عن العالمين وعن خلقه، وهو غني بنفسه. لا يقال: "إنه تعالى غني عن نفسه، أو أن احتياجه إلى نفسه نقص" وأما إطلاق القول بأنه غني عن نفسه فهو باطل فإنه محتاج إلى نفسه، وفي إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد، ولا خالق إلا الله تعالى، فإذا كان سبحانه عليما يحب العلم، عفوا يحب العفو، جميلا يحب الجمال، نظيفا يحب النظافة، طيبا يحب الطيب، وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين، وهو سبحانه الجامع لجميع الصفات المحبوبة، والأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو يحب نفسه ويثني بنفسه على نفسه، والخلق لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه. فالعبد المؤمن يحب نفسه، ويحب في الله من أحب الله وأحبه الله، فالله سبحانه أولى بأن يحب نفسه، ويحب في نفسه عباده المؤمنين، ويبغض الكافرين، ويرضى عن هؤلاء ويفرح بهم، ويفرح بتوبة عبده التائب من أولئك، ويمقت الكفار ويبغضهم، ويحب حمد نفسه والثناء عليه، كما قال النبي ﷺ للأسود بن سريع لما قال: إنني حمدت ربي بمحامد فقال " إن ربك يحب الحمد " وقال ﷺ " لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، ولا أحد أصبر على أذى من الله، يجعلوه له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم " فهو يفرح بما يحبه، ويؤذيه ما يبغضه، ويصبر على ما يؤذيه، وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ذلك من كماله وكل ذلك من صفاته وأفعاله، وهو الذي خلق الخلائق وأفعالهم، وهم لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه. وإذا فرح ورضي بما فعله بعضهم فهو سبحانه الذي خلق فعله، كما أنه إذا فرح ورضي بما يخلقه فهو الخالق، وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد، وهذا قول عامة القدرية ونهاية الكمال والعزة. وأما الإمكان لو افتقر وجوده إلى فرح غيره، وأما الحدوث فيبنى على قيام الصفات فيلزم منه حدوثه وقد ذكر في غير هذا الموضع أن ما سلكه الجهمية في نفي الصفات فمبناه على القياس الفاسد المحض وله شرح مذكور في غير هذا الموضع. نصوص الكتاب والسنة مشتملة على تقديس الله وإثبات كل كمال له ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها في غاية الإحكام والإتقان وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص، والإثبات لكل كمال، وأنه تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصا بل من الكمال أنه يفعل ما يفعله بعد أن لم يكن فاعله، وإنه إذا كان كاملا بذاته وصفاته وأفعاله لم يكن كاملا بغيره ولا مفتقرا إلى سواه، بل هو الغني ونحن الفقراء، وقال تعالى (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق) وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق الكمال، إذ كل كمال فمن كماله يستفاد، وله الثناء الحسن الذي لا تحصيه العباد، وإنما هو كما أثنى على نفسه، له الغني الذي لا يفتقر إلى سواه، (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا). فهذا الأصل العظيم وهو مسألة خلقه وأمره وما يتصل به من صفاته وأفعاله من محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على ما يؤذيه هي متعلقة بمسائل القدر ومسائل الشريعة. والمنهاج الذي هو المسؤول عنه ومسائل الصفات ومسائل الثواب والعقاب والوعد والوعيد، وهذه الأصول الأربعة كلية جامعة وهي متعلقة به وبخلقه. وهي في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسألة الصفات الذاتية والفعلية، ومسألة الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل الصفات والكلام في حلول الحوادث ونفي الجسم وما في ذلك من تفصيل وتحقيق. المعطلة كذبوا بحق كثير جاء به الرسل فإن المعطلة والملحدة في أسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل بناء على ما اعتقدوه من نفي الجسم والعرض، ونفي حلول الحوادث ونفي الحاجة. وهذه الأشياء يصح نفيها باعتبار ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر، فوقعوا في نفي الحق الذي لا ريب فيه الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وفطرت عليه الخلائق ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية. والله أعلم.

علامات الساعة زمن الفتن والملاحم

 

باب آخر الزمان يعق الرجل أمة ويبعد أباه ويطيع

  زوجته ويدني صديقه ويكون الولد غيظاً وتفيض

  

  الأشرار فيضاً وتقطع الأرحام ويتواصل الأباعد

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وذكر منها وأطاع الرجل زوجته وعق أمته وجفا أباه وبر صديقه فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء أو فسخاً أو مسخاً.. رواه الترمذي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اتخذ الفيء دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه الحديث فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع كنظام بال انقطع سلكه فتتابع... رواه الترمذي.

وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تحزن ذوات الأولاد لعقوق أولادهن وتفرح العواقر ويكون الولد غيظاً والشتاء قيضاً.. رواه ابن أبي الدنيا.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وأن تفيض الأشرار فيضاً.. رواه الطبراني.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: لأن يربي الرجل جرواً أي ولد كلب خير من أن يربي ولداً.. رواه الطبراني.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظاً والشتاء قيضاً وتقوم الخطباء بالكذب.. رواه الطبراني.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أعلام الساعة وأشراطها أن يتواصل الأطباق وتقطع الأرحام.. (الأطباق: الأباعد – والأرحام: الأقارب) رواه الطبراني.